حديث مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم
مسند احمد

حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد، عن أبي سلام، عن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بخ بخ، لخمس (1) ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه، والداه " وقال: " بخ بخ لخمس من لقي الله مستيقنا بهن دخل الجنة: يؤمن بالله واليوم الآخر، وبالجنة، والنار، والبعث بعد الموت، والحساب "
هذا حَديثٌ عَظيمٌ جَليلُ القَدْرِ، فيه تَعليمٌ لِبَعضِ الأذْكارِ، وما يَجِبُ على الإنْسانِ أنْ يُؤمِنَ به؛ فيقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "بَخٍ بَخٍ" كَلِمةٌ تُقالُ عِندَ الرِّضا والإعْجابِ، "لخَمسٌ ما أثقَلُهُنَّ في الميزانِ" في الأجْرِ والثَّوابِ لِمَن فَعَلَهُنَّ، والمُرادُ بالميزانِ: هو ما يُوزَنُ به أعْمالُ العِبادِ يَومَ القِيامةِ: "لا إلهَ إلَّا اللهُ"، وهي كلِمةُ التَّوحيدِ الخالصَةُ الَّتي تَعْني أنَّه لا مَعْبودَ بحَقٍّ إلَّا اللهُ، وأنَّه وَحْدهُ المُستحِقُّ للعِبادةِ، وهي أعظمُ كَلمةٍ، ولا يَنجو من النَّارِ إلَّا مَن وافَى اللهَ تعالى بها مُخلِصًا من قَلبِهِ، "واللهُ أكبَرُ"، وفيها مَعنى العَظَمةِ للهِ، وأنَّه أعْلى وأكبَرُ مِن كلِّ شيءٍ، "وسُبحانَ اللهِ"، ومَعْناها التَّنزيهُ الكامِلُ للهِ تَعالى عن كُلِّ نَقْصٍ، ووصْفُهُ بالكَمالِ التَّامِّ الَّذي يَليقُ بجَلالِهِ، "والحَمدُ للهِ"، ومَعْناها الاعتِرافُ بأنَّ اللهَ هو المُستحِقُّ وَحْدَهُ لِمَعاني الشُّكرِ والثَّناءِ، وهذه هي البَاقِياتُ الصَّالِحاتُ الَّتي يَبْقى أجْرُها لِصاحِبِها عِندَ اللهِ كما جاءَ في الرِّواياتِ، "والولَدُ الصَّالِحُ يُتوفَّى فيَحتَسِبُهُ والِداهُ" يَدَّخِرانِ الأجْرَ والثَّوابَ عِندَ اللهِ عزَّ وجلَّ وهُما راضيانِ، وثِقَلَ ذلِكَ في الميزانِ لِعِظَمِ المُصيبةِ بمَوتِهِ.
ثم قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "بَخٍ بَخٍ" وهي كلمةُ تعجُّبٍ "لَخَمسٌ"، أي: لَخَمسُ خِصالٍ أُخْرى، وهذه الخِصالُ "مَن لقِيَ اللهَ مُستَيقِنًا بِهِنًّ" مُؤمِنًا بهِنَّ إيمانًا كامِلًا: "دخَلَ الجَنَّةَ" يَعني كان جَزاؤُهُ الجَنَّةَ، ثم عدَّدَ هذه الخِصالَ بقولِه: "يُؤمِنُ باللهِ" بأن يُوحِّدَه ويُخلصَ العَمَلَ له عزَّ وجلَّ، "واليَومِ الآخِرِ"، وهو يَومُ القِيامةِ، "وبالجَنَّةِ والنَّارِ" بوُجودِهِما، وأنَّهما ثَوابُ اللهِ وعِقابُه، "والبَعْثِ بعدَ المَوتِ، والحِسابِ" وذلِكَ بأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ سيَرُدُّ إلى العِبادِ أرْواحَهُم لِيَحشُرَهم للحِسابِ، ومُجازاتِهِم على أعْمالِهِم، وهذه الخَمسُ من الإيمانِ بالغَيبِ الذي يَبعَثُ على حُسنِ العَمَلِ رجاءَ الثَّوابِ من اللهِ والخَوفِ من عِقابِهِ.