‌‌مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما275

مسند احمد

‌‌مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما275

حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث المكتب، عن أبي كثير الزبيدي، عن عبد الله بن عمرو، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الهجرة أفضل؟ قال: " أن تهجر ما كره ربك، وهما هجرتان: هجرة الحاضر، وهجرة البادي، فأما هجرة البادي: فيطيع إذا أمر، ويجيب إذا دعي، وأما هجرة الحاضر: فهي أشدهما بلية، وأعظمهما أجرا " (1)

مِن أنواعِ الهِجرةِ الَّتي كان يَحُثُّ عليها النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: ترْكُ المعاصي والشَّهَواتِ؛ طلَبًا لِمَا عند اللهِ عزَّ وجلَّ مِن عظيمِ الجزاءِ.

وفي هذا الحديثِ يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو رَضِي اللهُ عَنهما: "قال رجلٌ: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الهجرةِ أفضَلُ؟"، أي: أكثَرُها أجرًا وثَوابًا، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "أن تَهجُرَ ما كَرِه ربُّك عزَّ وجلَّ"، أي: تَترُكَ المعاصيَ، وقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "الهجرةُ هِجرَتان"، أي: نوعان، "هِجرةُ الحاضرِ"، أي: الَّذي هو مِن أهلِ الحضَرِ، "وهِجرةُ البادي"، أي: الَّذي هو مِن أهلِ الصَّحراءِ، "فأمَّا البادي"، أي: هِجرةُ البادي، فليس عليه أن يَترُكَ موطِنَه، "فيُجيبُ إذا دُعي"، أي: ولكن عليه أن يُجيبَ نداءَ الجهادِ، "ويُطيعُ إذا أُمِر"، أي: يُطيعُ أميرَه في طاعةِ اللهِ ولا يَعْصيه، فإنَّ ذلك يَكْفيه، "وأمَّا الحاضرُ"، أي: وأمَّا هجرةُ أهلِ الحضَرِ، "فهو أعظَمُهما بَليَّةً"، أي: مُصيبتُه شديدةٌ؛ وذلك لِمَا يتَحمَّلُه مِن مسؤوليَّةٍ؛ لكونِه أسرَعَ النَّاسِ في الخروجِ إلى الغزوِ لِقُربِه منه، وهو مَركزُ الإسلامِ الَّذي تُنصَبُ فيه الفتنُ والشُّرورُ، ويَنزِلُ عليه ضُيوفُ الإِسلامِ، ويَقومُ بمساعدةِ الفقراءِ والمساكينِ، "وأعظمُهما أجرًا"، أي: ولِعِظَمِ هِجرتِه، فإنَّ له أعظمَ الأَجْرَين. وقد كانتِ الهجرةُ إلى المدينةِ النَّبويَّةِ فرضًا في أوَّلِ الأمرِ، ثمَّ صارتْ مندوبةً، وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بعدَ فتحِ مكَّةَ: "لا هجرةَ بعدَ الفتحِ ولكنْ جهادٌ ونيَّةٌ"؛ فبَقِي عمَلُ الخيرِ في كلِّ مكانٍ، فهو الَّذي يَنفَعُ العبدَ مع إخلاصِ النِّيَّةِ في الأعمالِ للهِ ربِّ العالَمين، وهَجْرِ ما نهى اللهُ عنه.