حديث واثلة بن الأسقع من الشاميين2
مسند احمد

حدثنا عتاب، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: حدثني يزيد يعني ابن أبي حبيب، أن ربيعة بن يزيد الدمشقي، أخبره عن واثلة يعني ابن الأسقع، قال: كنت من أهل الصفة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بقرص فكسره في القصعة (1) ، وصنع فيها ماء سخنا، ثم صنع فيها ودكا (2) ، ثم سفسفها، ثم لبقها، ثم صعنبها ثم قال: " اذهب فائتني بعشرة أنت عاشرهم " فجئت بهم فقال: " كلوا وكلوا من أسفلها، ولا تأكلوا من أعلاها، فإن البركة تنزل من أعلاها، فأكلوا منها حتى شبعوا " (1)
«أهْلُ الصُّفَّةِ» مُصطلَحٌ أُطلِقَ على قَومٍ فُقَراءَ مِنَ الصَّحابةِ رضِيَ اللهُ عنهم، كانوا غُرَباءَ، لا بُيوتَ لهم، ولا أهْلَ ولا مأْوَى، وكانَ لهم في آخِرِ المسجِدِ مَكانٌ مُرتفِعٌ،بِهِ مِظلَّةٌ يَبيتونَ تَحتَها، فسُمُّوا بهذا الاسمِ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَرْعاهم، ويُحسِنُ إليهم، ويَهتَمُّ بشَأْنِهم.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجليلُ واثِلةُ بنُ الأَسْقَعِ رضِيَ اللهُ عنه أنَّه كان مِن أهْل الصُّفَّةِ، وذاتَ يَومٍ طلَبَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قُرصًا؛ وهو الخُبزُ الجافُّ، فكسَرَه في القَصْعةِ، وهي إناءٌ كبيرٌ يَستوعِبُ طَعامَ عشَرةِ رِجالٍ، وجعَلَ فيها ماءً ساخنًا، «ثُمَّ صنَعَ فيها ودَكًا»؛ وهو دسَمُ اللَّحْمِ ودُهْنُه، وكأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أذابَه في القَصْعةِ، أو جَعَلَه قِطَعًا، «ثُمَّ سَفْسَفَها»: أضافَ إليه شيئًا مِنَ الدَّقيقِ المنخولِ. وقيلَ: الرَّديءِ. «ثُمَّ لبَّقَها»؛ أي: خلَطَها خلْطًا شديدًا. وقيلَ: جعَلَ يُحرِّكُها لإنضاجِها، «ثُم صعْنَبَها»؛ أي: جعَلَ لها ذِرْوةً وارتفاعًا في وسَطِها، ثُمَّ أمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واثِلةَ رضِيَ اللهُ عنه أنْ يَأتِيَ بعشَرةٍ مِن أصْحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقال له: «أنتَ عاشِرُهم»، فيكونُ مَجموعُ مَن يأتي بِهِم تِسعةً، ويكونُ هو عاشرَ تلكَ المجموعةِ، ولَمَّا جاء بهمْ، أمَرَهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالأكْلِ منها، وقال لهم: «وَكُلوا مِن أسْفَلِها»؛ أي: يَأكُلُ كلُّ واحدٍ منهم مِنَ الجانبِ الَّذِي يَلِيه، «ولا تَأْكُلوا مِن أعْلاها»؛ ولا يَأخُذِ الطَّعامَ مِن وَسَطِها، أو مِن أعْلاها، إذا كانتْ مُسَنَّمةً، أو مَجموعةً بَعضُها فَوقَ بعضٍ؛ ثُمَّ بيَّنَ لهم السَّبَبَ بقَولِه: «فإنَّ البَرَكةَ تَنزِلُ مِن أعْلاها»؛ والمعنى: أنَّ مِنَ الأسْبابِ الَّتي تَنزِلُ بها البَرَكةُ على الطَّعامِ أنْ يَبقَى على حالِه؛ فيَأكُلُ الإنسانُ منه شيئًا فشيئًا، إنْ لمْ يكُنْ هناك داعٍ لخلْطِها ومَدِّ الأيادي إلى وسَطِها.
وقيلَ: إنَّ النَّهيَ يَحتمِلُ سببًا آخَرَ؛ وهو أنْ يكونَ النَّهيُ إنَّما وقَعَ إذا أكَلَ الإنسانُ معَ غَيرِه؛ وذلكَ أنَّ وَجْهَ الطَّعامِ هو أطيَبُه وأفضَلُه، فإذا قصَدَه بالأكْلِ كان مُستأثِرًا به على أصْحابِه، وفيه مِن ترْكِ الأدَبِ وسُوءِ العِشْرةِ ما لا خَفاءَ به، فأمَّا إذا أكَلَ وحْدَه، فلا بأْسَ به.
ثُمَّ أخبَرَ واثِلةُ رضِيَ اللهُ عنه أنَّهم أكَلوا منها حتَّى شَبِعوا؛ إشارةً إلى أنَّه معَ قِلَّةِ الطَّعامِ الَّذي صنَعَه لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا أنَّه كَفاهم وأشبَعَهم ببَرَكةِ ما أرشَدَهم به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفي الحَديثِ: الحضُّ على الالتزامِ بآدابِ الطَّعامِ.