مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم 87
مسند احمد

حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من بني عامر، فقال: يا رسول الله، أرني الخاتم الذي بين كتفيك، فإني من أطب الناس. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أريك آية؟ " قال: بلى، قال: " فنظر إلى نخلة "، فقال: " ادع ذلك العذق "، قال: فدعاه، فجاء ينقز، حتى قام بين يديه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارجع "، فرجع إلى مكانه، فقال العامري: يا آل بني عامر، ما رأيت كاليوم رجلا أسحر
أيَّدَ اللهُ تعالى نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمُعجِزاتٍ وآياتٍ كَثيرةٍ تَدُلُّ على صِدقِ نُبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان بَعضُ النَّاسِ يَظُنُّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم به شَيءٌ مِنَ الجُنونِ والمَرَضِ، ويُريدونَ أن يُعالِجوه لمَعرِفتِهم بالأمراضِ وعِلاجِها، فعِندَ ذلك يَأتيهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمُعجِزاتٍ تَدُلُّ على صِدقِه وصِدقِ ما جاءَ به، وأنَّه ليس به جُنونٌ ولا مَرَضٌ، وإنَّما هذا وحيٌ مِنَ اللهِ رَبِّ العالَمينَ، وقد جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلٌ مِن بَني عامِرٍ، أي: مِن قَبيلةِ بَني عامِرٍ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أرِني الخاتَمَ الذي بَينَ كَتِفَيك، أي: خاتَمَ النُّبوَّةِ الذي في جَسَدِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يَقصِدُ أنَّ هذا الخاتَمَ عَيبٌ في بَدَنِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويُريدُ أن يُعالجَه مِنه، فإنِّي مِن أطَبِّ النَّاسِ! أي: مِن أمهَرِ وأحسَنِ الأطِبَّاءِ. فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ألَا أُريك آيةً، أي: هَلَّا أُريك آيةً تَدُلُّ على صِدقِ نُبوَّتي وأنِّي على الحَقِّ، وأنَّ الخاتَمَ مِن جُملةِ الآياتِ على نُبوَّتي، فنَظَرَ الرَّجُلُ إلى نَخلةٍ وقال: ادعُ ذلك العِذقَ. وهو عُرجونُ النَّخلةِ، بمَنزِلةِ العُنقودِ مِنَ العِنَبِ، والعُرجونُ: هو غُصنُ النَّخلةِ الذي يَعوَجُّ ويُقطَعُ مِنه الشَّماريخُ، فيبقى على النَّخلِ يابسًا، والشِّمراخُ ما يَكونُ فيه الرُّطَبُ. والمَعنى: أنَّ الرَّجُلَ طَلَبَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَدعوَ ذلك العِذقَ. فدَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم العِذقَ، فجاءَ يَنقُزُ، أي: يَقفِزُ ويَثِبُ، حَتَّى قامَ بَينَ يَدَيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. ثُمَّ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للعِذقِ: ارجِعْ، فرَجَعَ إلى مَكانِه. فقال الرَّجُلُ العامِريُّ: يا آلَ بني عامِرٍ، ما رَأيتُ كاليَومِ، أي: كرُؤيَتي اليَومِ، رَجُلًا أسحَرَ! يَعني ظَنَّ أنَّ ما فعَلَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو مِنَ السِّحرِ. وفي رِوايةٍ: أنَّ الرَّجُلَ قال: يا آلَ عامِرٍ، واللَّهِ لا أُكَذِّبُه بشَيءٍ يَقولُه أبَدًا. ففي هذه الرِّوايةِ تَصديقُ الرَّجُلِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيُحتَمَلُ أنَّه تَوهَّمَه ساحِرًا، ثُمَّ عَلمَ أنَّه ليس بساحِرٍ، فآمَنَ وصَدَّقَ. واللهُ أعلَمُ.
وفي الحَديثِ بَيانُ مُعجِزةٍ مِن مُعجِزاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وفيه إثباتُ خاتَمِ النُّبوَّةِ في جَسَدِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .