باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجاب ونحوه
بطاقات دعوية

عن همام بن الحارث، عن المقداد - رضي الله عنه: أن رجلا جعل يمدح عثمان - رضي الله عنه - فعمد المقداد، فجثا على ركبتيه، فجعل يحثو في وجهه الحصباء (1). فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب». رواه مسلم. (2)
فهذه الأحاديث في النهي، وجاء في الإباحة أحاديث كثيرة صحيحة.
قال العلماء: وطريق الجمع بين الأحاديث أن يقال: إن كان الممدوح عنده كمال إيمان ويقين، ورياضة نفس، ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن، ولا يغتر بذلك، ولا تلعب به نفسه، فليس بحرام ولا مكروه، وإن خيف عليه شيء من هذه الأمور، كره مدحه في وجهه كراهة شديدة، وعلى هذا التفصيل تنزل الأحاديث المختلفة في ذلك.
ومما جاء في الإباحة قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر - رضي الله عنه: «أرجو أن تكون منهم (3)» أي من الذين يدعون من جميع أبواب الجنة لدخولها.
وفي الحديث الآخر: «لست منهم (4)»: أي لست من الذين يسبلون أزرهم خيلاء.
وقال - صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله عنه: «ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك
أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه الخير والهدى، والصلاح للنفوس والقلوب، والدين والدنيا والآخرة، وفي هذا الحديث يقول التابعي عبد الرحمن بن جبير بن نفير: "مدحك أخاك في وجهه"، والمراد بالمادح هنا: هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة، وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه، فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن والأمر المحمود، يكون منه ترغيبا له في أمثاله، وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه؛ فليس بمداح وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به من جميل القول فيه، "كإمرارك على حلقه موسى رميضا- أي: شديدا-"؛ فالرميض، هو الحديد الماضي، من رمض السكين يرمضه إذا دقه بين حجرين ليرق، والمراد: كأنك تذبحه بسكين حاد ذبحا شديدا؛ لما يجره من الشعور بالخيلاء مع الغرور، فينتكس المرء عن دينه وخلقه، كما أن المدح يفسد القلوب، ويعظم النفوس حتى يستحقروا غيرهم؛ فكل ذلك كأن المرء الممدوح ذبح. قال عبد الرحمن: "ومدح رجل ابن عمر رضي الله عنه في وجهه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: احثوا"، أي: ألقوا وارموا، "في وجوه المداحين التراب، ثم أخذ ابن عمر التراب، فرمى به في وجه المادح، وقال: هذا في وجهك- ثلاث مرات-". فحمل عبد الله بن عمر الحديث على ظاهره ووافقه طائفة، وكانوا يحثون التراب في وجه المادح حقيقة، وقال آخرون: معناه: خيبوهم، فلا تعطوهم شيئا لمدحهم