مسند عثمان بن عفان رضي الله عنه 49
مسند احمد

حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق، قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان، فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم عينين، - قال عاصم: يقول يوم أحد - ولم أتخلف يوم بدر، ولم أترك سنة عمر، قال: فانطلق فخبر ذلك عثمان، قال: فقال: أما قوله إني لم أفر يوم عينين، فكيف يعيرني بذنب، وقد عفا الله عنه، فقال: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم} [آل عمران: 155] ، وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر: فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت، «وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمي، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه فقد شهد» ، وأما قوله: إني لم أترك سنة عمر: فإني لا أطيقها ولا هو، فائته فحدثه بذلك
الصَّحابةُ خَيرُ القُرونِ؛ فهمُ الذينَ ناصَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووقَفوا مَعَه، وكانوا يُقدِّمونَ أنفُسَهم دونَ نَفسِه؛ ولهذا أثنى اللهُ تَعالى عليهم، وأثنى عليهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن خيرةِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو ثالثُ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وكان بَعضُ الصَّحابةِ يَعتِبُ على عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه بَعضَ المَآخِذِ التي وقَعَ فيها، فكان عُثمانُ يَرُدُّ على كُلِّ ما قيل عَنه مِن تلك المُؤاخَذاتِ
وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ شَقيقُ بنُ سَلَمةَ، وهو أحَدُ التَّابِعينَ، أنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عنه لقيَ الوليدَ بنَ عُقبةَ، وهو أخو عُثمانَ بنِ عَفَّانَ لأُمِّه، وله صُحبةٌ، فقال الوليدُ لعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ: ما لي أراك قد جَفوتَ أميرَ المُؤمِنينَ عُثمانَ؟ أي: لماذا يا عَبدَ الرَّحمَنِ أعرَضتَ عَن عُثمانَ وابتَعَدتَ عَنه؟ فقال عَبدُ الرَّحمَنِ للوليدِ: أبلِغْه، أي: أخبِرْ عُثمانَ، أنِّي لم أفِرَّ، أي: لم أهرُبْ، يَوم عَينَينِ، وهو اسمُ جَبَلٍ بأحُدٍ، ويُقالُ ليَومِ أُحُدٍ يَومُ عَينَينِ، وهو الجَبَلُ الذى أقامَ عليه الرُّماةُ يَومَئِذٍ. قال عاصِمٌ، وهو أحَدُ الرُّواةِ: يَقولُ: يَومَ أُحُدٍ، أي: يَومَ عَينَينِ هو يَومُ غَزوةِ أُحُدٍ، ومَقصودُ عَبدِ الرَّحمَنِ التَّعريضُ بعُثمانَ؛ لكَونِ عُثمانَ فرَّ مِن غَزوةِ أُحُدٍ مَعَ مَن فرُّوا. ولم أتَخَلَّفْ يَومَ بَدرٍ، أي: شَهِدتُ غَزوةَ بَدرٍ ولم أكُنْ مِمَّن تَخَلَّف عَنها، ومَقصودُه بذلك التَّعريضُ بتَخَلُّفِ عُثمانَ عَن غَزوةِ بَدرٍ، ولم أترُكْ سُنَّةَ عُمَرَ، أي: أنِّي مُتَّبِعٌ سُنَّةَ عُمَرَ وطَريقَتَه، ولم أترُكْها، ومَقصودُه أنَّ عُثمانَ تَركَ اتِّباعَ سُنَّةَ عُمَرَ. فانطَلِقْ فخَبِّرْ ذلك عُثمانَ، أي: اذهَبْ يا وليدُ فأخبِرْ بهذا الذي أخبَرتُك عُثمانَ بنَ عَفَّانَ. فلمَّا ذَهَبَ الوليدُ وأخبَرَ عُثمانَ، رَدَّ عُثمانُ على كُلِّ تلك المَقولاتِ التي ذَكَرَها عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ، فقال عُثمانُ: أمَّا قَولُه، أي: عَبدِ الرَّحمَنِ: إنِّي لم أفِرَّ يَومَ عَينَينِ، فكَيف يُعَيِّرُني، أي: يَنسُبُه إلى العارِ ويُقَبِّحُ عليه فِعلَه، بذَنبٍ وقد عَفا اللَّهُ عَنه، أي: إنَّ هذا الذي حَصَل مِنِّي قد عَفا اللَّهُ تعالى عَنِّي فيه، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155]، وأمَّا قَولُه: إنِّي تَخَلَّفتُ يَومَ بَدرٍ، فإنِّي كُنتُ أُمَرِّضُ رُقَيةَ بنتَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى ماتَت، أي: كُنتُ في خِدمةِ رُقَيَّةَ في مَرَضِها، وقد ضَرَبَ لي رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بسَهمي، أي: إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَعَل لي نَصيبًا مِن غَنائِمِ بَدرٍ كَأنِّي مُشارِكٌ فيها، ومَن ضَرَب له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بسَهمِه فقد شَهِدَ، أي: مَن قَسَمَ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الغَنائِمِ فهو في حُكمِ المُشارِكِ. وأمَّا قَولُه: إنِّي لم أترُكْ سُنَّةَ عُمَرَ؛ فإنِّي لا أُطيقُها، أي: لا أتَحَمَّلُ سُنَّةَ عُمَرَ، ولا هو، أي: ولا عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ يُطيقُ سُنَّةَ عُمَرَ. والمُرادُ بسُنَّةَ عُمَرَ هنا طَريقَتُه وهَدْيُه وسيرَتُه؛ فقد كان عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه أزهَدَهم في الدُّنيا، وأرغَبَهم في الآخِرةِ، وأشفَقَهم على الرَّعيَّةِ، وأكثَرَهم تَفقُّدًا لأحوالِهم، يُنصِفُ مظلومَهم، ويُؤَمِّنُ خائِفَهم، ويَلينَ لأهلِ السَّلامةِ والدِّينِ والفَضلِ، ويَشتَدُّ على أهلِ الفسادِ والظُّلمِ والتَّعَدِّي، وقد أتعَبَ مَن بَعدِه أن يَلحَقَ به، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ بايَعَ عُثمانَ على أن يَسيرَ سيرةَ عُمَرَ؛ فلذلك عاتَبَه على تَركِها. فائْتِه فحَدِّثْه بذلك، أي: اذهَبْ يا وليدُ إلى عَبدِ الرَّحمَنِ وأخبِرْه بما أخبَرتُك به، وبَيِّنْ له الأعذارَ التي لأجلِها عَيَّرَني بها عَبدُ الرَّحمَنِ
وفي الحَديثِ أنَّه قد يَقَعُ نُفورٌ بَينَ الإمامِ وأحَدِ الرَّعيَّةِ
وفيه مَشروعيَّةُ تَبيينِ الإمامِ أوِ العالمِ للنَّاسِ ما قد يَحصُلُ مِنه؛ حتَّى لا يُتَّهَمَ بسوءٍ
وفيه بَيانُ فَضلِ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه
وفيه بَيانُ فَضلِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه
وفيه أنَّ الإمامَ ليسَ مُلزَمًا بسيرةِ الإمامِ الذي قَبلَه