مسند علي بن أبي طالب رضي الله عنه 144
مسند احمد

حدثنا عبد الله (2) حدثني هدبة بن خالد، حدثنا همام، حدثنا علي بن زيد، عن عبد الله بن الحارث، أن أباه ولي طعام عثمان، قال: فكأني أنظر إلى الحجل حوالي الجفان، فجاء رجل فقال: إن عليا يكره هذا. فبعث إلى علي وهو ملطخ يديه بالخبط، فقال: إنك لكثير الخلاف علينا، فقال علي: أذكر الله من شهد النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعجز حمار وحش وهو محرم فقال: " إنا محرمون، فأطعموه أهل الحل " فقام رجال فشهدوا، ثم قال: أذكر الله رجلا شهد النبي صلى الله عليه وسلم أتي بخمس بيضات: بيض نعام، فقال: " إنا محرمون، فأطعموه أهل الحل " فقام رجال فشهدوا فقام عثمان فدخل فسطاطه، وتركوا الطعام على أهل الماء (1)
للحَجِّ مَحظوراتٌ يَنبَغي على المُحرِمِ أن يَجتَنِبَها، ومن ذلك أكلُ ما صِيدَ له
وفي هذا الحَديثِ يُبَيِّنُ عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه ذلك، فيَقولُ عَبدُ اللَّهِ بنُ الحارِثِ بنِ نَوفَلٍ الهاشِميُّ: إنَّ والدَه الحارِثَ كان قائمًا على أمرٍ من أمورِ مَكَّةَ في زَمَنِ خِلافةِ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه، فجاءَ عُثمانُ إلى مَكَّةَ، فاستَقبلَه عَبدُ اللَّهِ بنُ الحارِثِ بمَكانٍ يُقالُ له النُّزُلُ، وهو المَوضِعُ الذي يُنزَلُ فيه، بقُدَيدٍ، وهو اسمُ مَوضِعٍ بَينَ مَكَّةَ والمَدينةِ، فاصطادَ أهلُ الماءِ -أي: اصطادَ السَّاكِنونَ في ذلك المَوضِعِ- حَجَلًا، وهو نَوعٌ من أنواعِ الطُّيورِ على قَدرِ الحَمامِ، أحمَرُ المِنقارِ والرِّجلينِ، وطَبَخوه بماءٍ ومِلحٍ، وجَعَلوه عُراقًا للثَّريدِ، والعُراقُ هو العَظمُ الذي أُخِذَ عنه اللَّحمُ، وقدَّموه إلى عُثمانَ وأصحابِه، فأمسَكَ أصحابُ عُثمانَ عن أكلِه؛ لأنَّهم مُحرِمونَ، والمُحرِمُ لا يَأكُلُ الصَّيدَ، فلمَّا رَأى عُثمانُ ذلك منهم قال: صَيدٌ لم أصطَدْه، ولم نَأمُرْ بصَيدِه، اصطادَه قَومٌ حِلٌّ، فأطعَموناه، فما بأسٌ؟ أي: نَحنُ ما أمَرْنا بصَيدِه ولم نَصطَدْه بأنفُسِنا، وإنَّما اصطادَه قَومٌ وهم حَلالٌ فأطعَمونا، فليس عَلينا من حَرَجٍ، ثمَّ طَلبَ عُثمانُ رَضِيَ اللهُ عنه مَن عِندَه عِلمٌ بهذه المَسألةِ وهذه القَضيَّةِ، فقال أصحابُه: عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، فأرسَل عُثمانُ إلى عَليٍّ أن يَأتيَ، فجاءَ عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه، وهو يَحُتُّ الخَبَطَ عن كَفَّيه، أي: يُزيلُ الخَبَطَ، وهو ورَقٌ من شَجَرِ الخَبَطِ يَكونُ عَلَفًا للإبِلِ، وذلك أنَّ عليًّا رَضِيَ اللهُ عنه كان مُشتَغِلًا بعَلفِ بَعيرِه حينَما جاءَه الرَّسولُ، ويَدُه مُلوَّثةٌ بالخَبطِ، فأسرَعَ في المَجيءِ قَبل أن يُزيلَ ما عَليها اهتِمامًا بهذا الأمرِ، ثمَّ بَعدَ مَجيئِه صارَ يَحُتُّ الخَبطَ عن كَفَّيه، فقال له عُثمانُ: صَيدٌ لم نَصطَدْه ولم نَأمُرْ بصَيدِه، اصطادَه قَومٌ حِلٌّ، فأطعَموناه، فما بأسٌ؟ أي: ليس عَلينا فيه بَأسٌ، فما تَقولُ في ذلك يا عَليُّ؟ فغَضِبَ عَليٌّ وقال: أنشُدُ اللَّهَ -أي: أسألُ باللهِ- رَجُلًا شَهدَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: حَضَرَ مَجلِسَ رَسولِ اللهِ حينَ أُتيَ بقائِمةِ حِمارِ وَحشٍ، أي: رِجلِ حِمارِ وحشٍ، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم محرِمًا، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا قَومٌ حُرُمٌ، فأطعِموه أهلَ الحِلِّ. فعِندَ ذلك شَهِدَ اثنا عَشَرَ رجلًا من أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على ما قال عَليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه، ثمَّ قال عَليٌّ مَرَّةً أخرى: أنشُدُ اللَّهَ رَجُلًا شَهدَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ أتيَ ببَيضِ النَّعامِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّا قَومٌ حُرُمٌ، أطعِموه أهلَ الحِلِّ، فشَهدَ على ذلك دونَهم منَ العَدَدِ، أي: أقَلُّ منِ اثنَي عَشَر رجلًا، فلمَّا سَمعَ عُثمانُ ذلك اقتَنَعَ بما سَمِعَه من عَليٍّ رِضى اللهُ عنه، وامتَنَعَ عنِ الطَّعامِ، وثَنى وَرِكَه عنِ الطَّعامِ، أي: جَعَل رِجلًا على رَجلٍ، أو ثَنى رِجلَه كالمُتَرَبِّعِ، والوَرِكُ: ما فوقَ الفَخذِ، ودَخَل رَحلَه، أي: خَيمَتَه، ثمَّ أكَل ذلك الطَّعامَ أهلُ الماءِ
وفي الحَديثِ: أنَّ المُحرِمَ لا يَأكُلُ ما صِيدَ له
وفيه أهَمِّيَّةُ الرُّجوعِ إلى أهلِ العِلمِ عِندَ الاختِلافِ
وفيه فضيلةُ عَليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه وسَعةُ عِلمِه
وفيه فضيلةُ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه وقَبولُه الحَقَّ