باب احتقار المسلمين 3
بطاقات دعوية

وعن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله - عز وجل: من ذا الذي يتألى (1) علي أن لا أغفر لفلان! فإني قد غفرت له، واحبطت عملك». رواه مسلم. (2)
نهى الإسلام وحذر من احتقار الناس وتنقيصهم، أو تقنيطهم من رحمة الله وغفرانه، أو الترفع عليهم بالأعمال الصالحة؛ لأن الله سبحانه وتعالى بيده مقاليد الأمور، والقلوب بين يديه يقلبها كيف يشاء، ويحكم في خلقه بما شاء
وفي هذا الحديث يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من بني إسرائيل -كما في رواية أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه- قال: «والله لا يغفر الله لفلان» من الناس، فعينه بشخصه، وقال ذلك بسبب كثرة ذنوبه أو أنها من الكبائر، أو تعظيما لنفسه لما رأى نفسه على الطاعة وغيره على المعصية، وظاهر قسمه أنه قطع بأن الله تعالى لا يغفر لذلك الرجل، وكأنه حكم على الله تعالى، وحجر عليه، وهذه نتيجة الجهل بالأحكام الإلهية، والإدلال على الله تعالى بما اعتقد أن له عنده من الكرامة، والحظ، والمكانة، أو اعتقاده في المذنب أن مثله لا يغفر له ذنبه، أو أن مثل هذا الذنب لا يغفر لمثله
فقال رب العزة معقبا على قول هذا الرجل: «من ذا الذي يتألى علي؟!» أي: يتحكم علي ويحلف باسمي أني لا أغفر لفلان؟! وهذا الاستفهام يراد به الإنكار والوعيد وبيان لعظيم وقدرته ورحمته بالعباد؛ فهو أعلم بهم، وهو وحده القادر عليهم، ولذلك قال تعالى: «فإني قد غفرت لفلان» المحلوف عليه بأن الله لا يغفر له، «وأحبطت عملك» أيها الحالف، فأذهبته سدى وأبطلته، فحصل بذلك أن أوبقت هذه الكلمة دنياه وآخرته؛ وذلك لأنه قال ما قال إعجابا بعمله، وإعجابا بنفسه، واستكبارا على عباد الله عز وجل
وقوله: «أو كما قال» هو شك من الراوي، وتنبيه على النقل بالمعنى؛ لئلا يتوهم نقل اللفظ أيضا. قيل: وينبغي للراوي وقارئ الحديث إذا اشتبه عليه لفظة، فقرأها على الشك أن يقول بعده: «أو كما قال»، ومثله الذي يروي الحديث بالمعنى
وقد جاء في حديث أبي داود مزيد تفصيل وبيان للقصة، وأنه صلى الله عليه وسلم قال: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر، فوجده يوما على ذنب، فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟! فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرا؟! وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار».
وفي الحديث: النهي عن الكبر والعجب.
وفيه: النهي عن احتقار أحد من المسلمين والحث على التواضع معهم.
وفيه: التواضع والتأدب مع الله سبحانه في الأقوال والأحوال.
وفيه: أن حق العبد أن يعامل نفسه بأحكام العبودية، وأن يعامل الله مولاه بما يجب له من أحكام الإلهية والربوبية.
وفيه: النهي عن القول بأن فلانا من أهل النار، وكذا من أهل الجنة، إلا لمن أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، كالعشرة المبشرين بالجنة.
وفيه: خوف المؤمن من إحباط عمله بسوء الأدب مع الله، ومع عباد الله تعالى.