باب الأمر بالدعاء و فضله و بيان جمل من أدعيته صلى الله عليه و سلم 15

بطاقات دعوية

باب الأمر بالدعاء و فضله و بيان جمل من أدعيته صلى الله عليه و سلم 15

وعن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ‌‌«اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والبخل والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع؛ ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع؛ ومن دعوة لا يستجاب لها».رواه مسلم. (1)

العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل؛ فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول
وفي هذا الحديث يروي زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك» وهو الالتجاء إلى الله، والاعتصام، والتحصن والاحتماء به سبحانه، «من العجز والكسل» والفرق بينهما: أن الكسل ترك الشيء مع القدرة على فعله، والعجز عدم القدرة عليه، كما استعاذ صلى الله عليه وسلم من «الجبن» الذي هو ضد الشجاعة، وهو عدم الإقدام على ما ينبغي فعله، «والبخل» وهو منع ما يجب بذله من المال مع توفره والقدرة عليه، والجبن والبخل هما أخوان؛ لأن بهما يحبس الخير عن العبد والنفع لنفسه ولبني جنسه؛ لأنه إما أن يكون منع نفعه بيده -وهو الجبن- أو بماله -وهو البخل- ولهذا قرن في الأحاديث بين هاتين الصفتين
واستعاذ صلى الله عليه وسلم من «الهرم» وهو كبر السن الذي يؤدي إلى ضعف البدن وذهاب القوة، وإنما استعاذ منه لكونه من الداء الذي لا دواء له؛ لما فيه من الخرف واختلال العقل والحواس والضبط والفهم.
ثم استعاذ صلى الله عليه وسلم من عذاب القبر، أي: من فتنته والعقوبة التي تقع على الميت بداخله، ويشمل الاستعاذة من الأسباب التي تؤدي إلى ذلك، والقبر هو أول منازل الآخرة، وإذا سلم صاحبه منه سلمه الله من عذاب جهنم في الآخرة
واستعاذته صلى الله عليه وسلم من هذه الأشياء؛ لتكمل صفاته في كل أحواله، وأيضا لتعليم أمته؛ فإنه صلى الله عليه وسلم معصوم من كل ما يشين، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر
وبعد أن استعاذ بما يضر النفس سأل الله ما يصلح تلك النفس، فقال: «اللهم آت نفسي تقواها»، أي: أعط نفسي من الخشية ما يصونها عن المحرمات، ويسرها لفعل الطاعات وما يقيها العذاب «وزكها»، أي: طهرها من الرذائل والأخلاق الدنيئة، كقوله تعالى: {قد أفلح من زكاها} [الشمس: 9]. وقوله: «أنت وليها» يعني: سلطانها والمتصرف فيها الذي يتولاها بالنعمة في الدارين، «ومولاها» متولي أمورها، ومالكها.
ثم استعاذ صلى الله عليه وسلم من علم لا يكون نافعا في نفسه، كعلم النجوم والكهانة وكل ما لا ينفع في الآخرة، أو يكون نافعا لكن لا ينتفع به صاحبه، فلا يعمل به، ولا يعلمه الناس، ولا يهذب الأخلاق والأقوال والأفعال
واستعاذ أيضا من القلب الذي لا يخشع فلا يسكن، ولا يطمئن بذكر الله تعالى ولا يخشاه؛ لأنه يكون قاسيا لا تؤثر فيه موعظة ولا نصيحة
واستعاذ صلى الله عليه وسلم من النفس التي لا تشبع بما آتاها الله تعالى، ولا تقنع بما رزقها الله من الحلال الطيب؛ لأنها تكون متكالبة على حطام الدنيا متجرئة على المال الحرام، فلا تزال في تعب الدنيا وعقوبة في الآخرة
واستعاذ صلى الله عليه وسلم من الدعوة التي لا يستجاب لها ولا يعتد بها، فكأنها غير مسموعة؛ لكونها معصية، أو ما لا يرضاه الحق، أو المراد التعوذ من عدم استجابة الدعاء مطلقا؛ لأن الرب سبحانه هو الذي يعطي ويمنع، القابض الباسط، فإذا توجه العبد إليه في دعائه ولم يستجب دعوته فقد خاب الداعي وخسر؛ لأنه طرد من الباب الذي لا يستجلب الخير إلا منه، ولا يستدفع الضر إلا به
فهذا حديث عظيم من أعمدة الدعوات النبوية؛ فقد جمع فيه النبي صلى الله عليه وسلم التعوذ من أصول الخصال المثبطة عن العمل، وسأل فيه أصول الخصال المحفزة للعمل.
وفي الحديث: بيان أن السجع في الدعاء لا يذم إذا حصل بلا تكلف، بل لكمال فصاحة الداعي.
وفيه: دليل على أن الأخلاق قد تتبدل من خير إلى شر، ومن شر إلى خير.