‌‌حديث أبي بكر بن أبي زهير، عن أبيه

مسند احمد

‌‌حديث أبي بكر بن أبي زهير، عن أبيه

حدثنا عبد الملك بن عمرو، وسريج (3) المعنى، قالا: حدثنا نافع بن عمر، عن أمية بن صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير - كلاهما قال: عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي - عن أبيه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول بالنباءة - أو بالنباوة، شك نافع - من الطائف، وهو يقول: " يا أيها الناس، إنكم توشكون أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار - أو قال: خياركم من شراركم - "قال: فقال رجل من الناس بم يا رسول الله؟ قال: " بالثناء السيئ، والثناء الحسن، وأنتم شهداء الله بعضكم على بعض " (1)

في هذا الحديثِ يَقولُ أبو زُهَيرٍ الثَّقفيُّ رَضي اللهُ عنه: "خطَبَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بالنَّباوةِ- أو البَناوَةِ- قال: والنَّباوةُ مِن الطَّائفِ"، أي: موضِعٌ منها، والطَّائفُ: مدينةٌ تقَعُ في مَنطقةِ مَكَّةَ المكرَّمةِ جِهةَ الجنوبِ الشرقيِّ، على المنحدَراتِ الشَّرقيَّةِ لجِبالِ السَّرَواتِ، وتبعُد عن مَكَّة 68 كيلومترًا، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "يُوشِكُ"، أي: يَقترِبُ الأمرُ مِن "أن تَعرِفوا أهلَ الجنَّةِ مِن أهلِ النَّارِ"، أي: تُميِّزوا بينَهم وتَعرِفونهم في الدُّنيا بصِفاتٍ وعلاماتٍ تَشتهِرُ فيهم، فقال الصَّحابةُ رَضي اللهُ عنهم: "بِمَ ذاك يا رسولَ اللهِ؟"، أي: ما هي تلك الصِّفاتُ والمزايا الَّتي يَمتازُ بها كلُّ فريقٍ عن الآخَرِ؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "بالثَّناءِ الحسَنِ، والثَّناءِ السَّيِّئِ"، أي: بما يُثني به النَّاسُ على بعضِهم البعضِ؛ لأنَّ النَّاسَ يَذكُرُ بعضُهم بعضًا بما يَعرِفونه مِن حقيقتِهم، "أنتم شُهَداءُ اللهِ بعضُكم على بعضٍ"، أي: تَشهدون بالصَّلاحِ أو الفَسادِ؛ قيل: والمخاطَبون بذلك هم الصَّحابةُ رَضي اللهُ عنهم ومَن كان على صِفَتِهم مِن الإيمانِ؛ لأنَّهم يَنطِقون بالحِكمةِ، ويختَصُّ ذلك بالثِّقاتِ والمتَّقينَ.
وقد ورَد في الصَّحيحَينِ مِن حديثِ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضي اللهُ عنه: "مُرَّ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بجِنازَةٍ، فأثنَوْا عليها خيرًا، فقال: "وجَبَتْ"، ثمَّ مُرَّ بأخرى، فأثنَوا عليها شرًّا - أو قال: غيرَ ذلك - فقال: "وجبَتْ"، فقيل: يا رسولَ اللهِ، قلتَ لهذا: وجبَتْ، ولهذا: وجبَتْ، قال: "شهادةُ القومِ، والمؤمنون شُهداءُ اللهِ في الأرضِ"؛ فجعَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم شهادةَ أصحابِه لأحَدٍ بالجنَّةِ أو النَّارِ دليلًا على وُجوبِها، على أنَّ هذا الثَّناءَ بالخيرِ أو الشَّرِّ لِمن أَثنى عليه النَّاسُ؛ فكان ثناؤُهم مُطابِقًا لأفعالِ مَن أثنَوْا عليه، فإنْ لم يَكُنْ كذلك فليس هو مُرادًا بالحديثِ.