‌‌حديث العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم7

مسند احمد

‌‌حديث العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم7

حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النصري، أن عمر دعاه - فذكر الحديث - قال: فبينا أنا عنده إذ جاء حاجبه يرفأ، فقال: هل لك في عثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعد يستأذنون، قال: نعم فأدخلهم، فلبث قليلا، ثم جاءه، فقال: هل لك في علي، وعباس يستأذنان؟ قال: نعم، فأذن لهما. فلما دخلا قال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا لعلي، وهما يختصمان في الصوافي التي أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير، فقال الرهط: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما، وأرح احدهما من الآخر. قال عمر: اتئدوا أناشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا نورث ما تركنا صدقة "؟ يريد نفسه، قالوا: قد قال ذلك، فأقبل عمر على علي، وعلى العباس، فقال: أنشدكما بالله، أتعلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك؟ قالا: نعم، قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، أن الله عز وجل كان خص رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، فقال: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم} [الحشر: 6] إلى {قدير} [الحشر: 6] ، فكانت هذه خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم لقد أعطاكموها، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبضه أبو بكر فعمل فيه بما عمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)

كان عُمرُ رَضِي اللهُ عَنْه مِن فُقهاءِ الصَّحابَةِ، وممَّن أمَر النَّبِيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم بالاقتِداءِ بهِم، وقد ثبَّتَ أركانَ الدَّولةِ الإسْلامِيَّةِ، ووضَّحَ كثيرًا مِن المسائلِ الشَّرعيَّةِ واجتَهَد فيها بما قطَع الاختلافَ حولَها.
وفي هَذا الحَديثِ: عن عُمرَ قال: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} [الحشر: 6]، أي: ما أعطَى اللهُ لرَسولِه مِن يَهودِ بَني النَّضيرِ لا يُقسَمُ على المُسلِمينَ كغَنيمةٍ، فلم يَكُنْ للمُسلِمينَ فيها مشَقَّةٌ أو قِتالٌ، فلم يُقاتِلوا أو يَسِيروا سِراعًا بِخَيلٍ أو غيرِه، "هذه لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم خاصَّةً"، أي: لِلنَّبِيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أن يتَصرَّفَ فيها كيفَما شاءَ، وذلِكَ الفَيءُ هو "قُرَى عُرَينةَ"، قيل: هو مَوضِعٌ ناحيةَ الشَّامِ به قُرًى، "فَدَك"، وهي قريةٌ بشِبْهِ الجزيرةِ في الحِجازِ، "وكَذا وكَذا"، أي: قُرًى أخْرَى بَعضُها بخَيبَرَ.
ثُمَّ بيَّنَ عُمرُ رَضِيَ اللهُ عَنْه الأصنافَ الَّتي تُعطَى الفَيْءَ؛ {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى}، أي: أَمْوالِ الكفَّارِ مِن أهلِ القُرى، {فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى}، أي: بَني هاشِمٍ، وبَني المطَّلِبِ، {وَالْيَتَامَى}، أي: كلِّ مَن فَقَد أباه مِن ذكَرٍ أو أُنْثى ولَم يَبلُغْ بَعدُ، {وَالْمَسَاكِينِ}، أي: مَن لَيسَ عِندَه ما يَكْفيه، {وَابْنِ السَّبِيلِ} [الحشر: 7]، أي: المُسافِرِ الَّذِي انقَطَع به الطَّريقُ، وليس معَه ما يَكْفيه للرُّجوعِ إلى بَلَدِه، "وللفُقراءِ الذين أُخرِجوا مِن ديارِهم، وأموالِهم،"، أي: فُقراءِ المُهاجِرين، {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الحشر: 9]، أي: الأنصارُ، {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} [الحشر: 10]، أي: تابِعو المُهاجِرينَ والأنصارِ إلى يومِ القيامةِ، "فاستَوعَبَتْ هذه الآيةُ النَّاسَ"، أي: جَمَعَت جَميعَ المُسلِمينَ، "فلَم يَبْقَ أحدٌ مِن المُسلِمينَ إلَّا له فيها حقٌّ"، أي: لِجَميعِ المُسلِمينَ حقٌّ في هذا الفَيءِ"، قال أيُّوبُ: "أوْ قال: حَظٌّ، إلَّا بعضَ مَن تَملِكون مِن أرِقَّائِكم"، أي: استَثْنى العَبيدَ مِن حقِّ الفَيءِ، فهُم تابِعونَ لأَسْيادِهم ومَالِكِيهم، وقيل: إنَّما قال ذلك لأنَّه كان يُعْطي بَعضَ العَبيدِ وهُم ثَلاثَةٌ شَهِدوا بَدرًا، فكان يُعْطي كلَّ واحِدٍ مِنهُم ثَلاثةَ آلافِ دِرْهمٍ سنَويًّا، وأمَّا جَميعُ العَبيدِ فلا حَظَّ لهم في هذا الفَيءِ.
وفي الحَدِيثِ: بيانٌ لفَضلِ عُمرِه وفِقهِه، وتَنظيمِه لأُمورِ الدَّولةِ.