مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما 175

مسند احمد

مسند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما 175

 

الزَّكاةُ مِن مَحاسِنِ الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ؛ لأنَّها تُحقِّقُ التَّكافُلَ الاجتماعيَّ بينَ أفرادِ المجتمَعِ المسلِمِ، فلا يَحقِدُ فقيرٌ على غنيٍّ، ولا يَظلِمُ غنيٌّ فقيرًا؛ فيَسُودُ العدلُ والرَّحمةُ بينَ النَّاسِ جميعًا

 وهذا الحديثُ اشتَمَل على كثيرٍ مِن أحكامِ الزَّكاةِ، وفيه يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيْه وسلَّم: "هاتُوا رُبُعَ العُشورِ"، والمقصودُ رُبُعُ العُشرِ مِن الفِضَّةِ المضروبَةِ والمسكوكةِ للعُملةِ، ورُبعُ العُشرِ يُساوي نِسبةَ (2.5%) اثنَينِ ونصفٍ في المئةِ، "مِن كلِّ أربَعينَ دِرهمًا دِرهمٌ، وليس علَيكم شيءٌ حتَّى تَتِمَّ مئتَيْ دِرْهمٍ، فإذا كانَت مئتَي دِرْهمٍ ففيها خمسةُ دَراهِمَ، فما زادَ فعَلى حِسابِ ذلك"؛ وهذا لِبَيانِ النِّسبةِ فقَط، ولا يُؤخَذُ على ما دُونَ المئتينِ شيءٌ، فإذا بلَغَت مئتَي دِرْهَمٍ وحال عليها الحولُ، فيَكونُ ربعُ العُشرِ يُساوي خَمسةَ دَراهِمَ، أي: إنَّ كلَّ أربَعينَ دِرْهمًا يُخرِجُ منها درهمًا واحدًا، وهكذا إذا زادَ على المئتَينِ يُؤخَذُ زكاتُه بنِسبَةِ رُبعِ العُشرِ، ومِئتا دِرْهمٍ تُساوي 595 جرامًا مِن الفِضَّةِ في عَصرِنا. ثمَّ انتَقَل إلى زَكاةِ الغنَمِ، فقال: "وفي الغنَمِ في أربعينَ شاةً شاةٌ، فإنْ لَم يَكُنْ إلَّا تِسعٌ وثَلاثونَ فليس علَيكَ فيها شيءٌ"، أي: إنَّ نِصَابَ زَكاةِ الغَنمِ يَبدَأُ مِن أربَعينَ حتَّى عِشرينَ ومِئةٍ، ويَكونُ المِقْدارُ على هذا العدَدِ شاةً واحدةً، فإنْ نقَصَت عن أربَعينَ فلا زَكاةَ عليها. ثمَّ انتَقَل إلى زَكاةِ البقَرِ، فقال: "وفي البقَرِ في كلِّ ثَلاثينَ تَبِيعٌ، وفي الأربَعينَ مُسِنَّةٌ، وليس على العَوامِلِ شيءٌ"، أي: إنَّ نِصابَ زَكاةِ البقَرِ يَكونُ في كلِّ ثلاثينَ بقَرةً يَخرُجُ "تَبيعٌ"، أي: ما له سَنَةٌ مِن البقَرِ، فإذا وصَلَ عدَدُها إلى أربَعينَ فزَكاتُها "مُسِنَّةٌ"، وهي التي لها سَنَتانِ، والعوامِلُ، أيِ: البقَرُ التي تَعمَلُ في الحَرْثِ والسَّقْيِ، لَيسَ فيها زَكاةٌ. ثمَّ انتَقَل إلى زَكاةِ الإبِلِ، فقال: "وفي خَمسٍ وعِشْرينَ خَمسةٌ مِنَ الغنَمِ"، أي: إذا كان عددُ الإبل خمسًا وعِشْرينَ فزَكاتُه خمسةٌ مِن الغنَمِ تُؤخَذُ مِن صاحبِ الإبلِ، والثَّابتُ في الأحاديثِ الأُخْرى أربعٌ وعِشْرون فقَطْ. "فإذا زادَتْ واحدةً، ففيها ابنةُ مَخاضٍ"، فإذا زادَ عددُ الإبلِ عَن خمسٍ وعِشْرين، فزَكاتُها ابنةُ مَخاضٍ، وهي النَّاقةُ التي لها سَنةٌ ودَخَلَت في الثَّانيةِ. "فإن لم تَكُنْ بِنْتُ مَخاضٍ؛ فابنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ إلى خَمسٍ وثَلاثينَ"، فإنْ لَم يَكُنْ عِندَه بِنتُ مَخاضٍ، فلْيُخرِجِ ابنَ لَبونٍ، وهو ولَدُ النَّاقةِ الَّذي استَكْمَلَ سنَتَينِ ودَخَل في الثَّالثةِ، حتَّى يَصِلَ عدَدُ الإبِلِ إلى خَمسٍ وثَلاثينَ. "فإذا زادَتْ واحِدةً ففيها بنتُ لَبونٍ إلى خمسٍ وأربَعينَ"، فإذا وصَلَ عددُ الإبِلِ إلى سِتٍّ وثَلاثينَ حتَّى خمسٍ وأربَعينَ، ففيه بنتُ لَبونٍ، وهي النَّاقةُ الَّتي أتمَّت سنَتَينِ ودخَلَت في الثَّالثةِ، "فإذا زادَتْ واحدةً ففيها حِقَّةٌ طَرُوقةُ الجمَلِ إلى سِتِّينَ"، فإذا وصَل عدَدُ الإبلِ إلى ستٍّ وأربَعينَ حتَّى ستِّينَ تَكونُ زَكاتُها حِقَّةً، وهي التي لها ثلاثُ سِنينَ ودخَلَت في الرَّابعةِ، وطَرُوقةُ الجمَلِ تَعْني أنَّها بلَغَتْ إلى أن يَطْرُقَها الجمَلُ، أي: يَطَأَها. "فإذا زادَت واحدةً"، يَعْني: واحدةً وتِسْعين، "ففيها حِقَّتانِ طَرُوقتَا الجمَلِ إلى عِشْرينَ ومِئةٍ"، فإذا وصَل عدَدُ الإبلِ إلى واحدةٍ وتِسْعينَ إلى عِشْرينَ ومِئةٍ فزَكاتُها حِقَّتانِ طَرُوقتَا جمَلٍ، "فإن كانَتِ الإبِلُ أكثرَ مِن ذلك ففي كلِّ خمسينَ حِقَّةٌ"، أيْ: أكثَرُ مِن مِئةٍ وعِشْرينَ، فتُحسَبُ الزَّكاةُ في كلِّ خَمسينَ مِنَ الإبلِ تُؤخَذُ حِقَّةٌ. "ولا تُؤخَذُ في الصَّدقَةِ هَرِمةٌ ولا ذاتُ عَوارٍ ولا تَيسٌ" الهَرِمةُ هي الكَبيرةُ التي سقَطَت أسنانُها، وذاتُ العَوارِ المَعِيبَةُ والمَرِيضةُ، والتَّيسُ هو فَحْلُ الغنَمِ، "إلَّا أن يَشاءَ المُصَدَّقُ"، (المُصدق) رُوِيَ بفَتحِ الصَّادِ المُخفَّفةِ وفَتْحِ الدَّالِ المُشدَّدة (المصَدَّق)، ورُوِيَ بتَشديدِ الصَّادِ المفتوحةِ وكَسْرِ الدَّالِ المُشدَّدةِ (المصَّدِّق)، وكِلاهما بمعنى المالِك، والاستثناءُ حينئذٍ خاصٌّ بالفَحلِ، ولعلَّه الأقربُ. وقيل: إنَّ عليه الأكثرَ. ويُروَى كذلك بتَخفيفِ الصَّادِ وكَسرِ الدَّالِ المُشدَّدةِ (المُصَدِّق) والمرادُ به الساعِي والعاملُ على الصَّدقةِ، والمعنى: إلَّا أنْ عامِلُ الصَّدقةِ؛ لأنَّ له ولايةً. والفَحلُ لا يُؤخَذُ لِعدَّةِ اعتِباراتٍ؛ لأنَّ فيه مَصلَحةً لصاحِبِ المالِ لِيُلقِّحَ له غنَمَه، ولأنَّه يَنقُصُ ويَفسُد لَحمُه. قولُه: "إلَّا أن يَشاءَ المُصدِّقُ"، أي: إلَّا إذا رأَى أن يَأخُذَه لِمَصلَحةِ الفُقراءِ. ثمَّ انتَقَل إلى زَكاةِ الزُّروعِ والثِّمارِ، فقال: "وفي النَّباتِ ما سقَتْه الأنهارُ أو سقَتِ السَّماءُ العُشْرُ، وما سَقَى الغَرْبُ ففيه نِصفُ العُشرِ"، أي: ما نبَت مِن الثِّمارِ فزَكاتُه إخراجُ العُشرِ إذا كان يُسقَى بالأنهارِ أو المطَرِ بلا تَكْلِفة، أمَّا إذا كان يُسْقى بالغَرْبِ، وهو الدَّلْوُ الكبيرُ، أي: ما يُسقى بالسَّواقي وما في مَعْناها مِن تَكلِفةِ الماءِ فزَكاتُه إخراجُ نِصفِ العُشرِ؛ ترَفُّقًا بتَكاليفِ الزَّرعِ. ثم قال أبو داود: وَفِى حَدِيثِ عَاصِمٍ" وهو بْنِ ضَمْرَةَ" وَالْحَارِثِ: وهو الأَعْوَرِ: "الصَّدَقَةُ فِى كُلِّ عَامٍ" قَالَ زُهَيْرٌ أَحْسَبُهُ قَالَ: "مَرَّةً" وَفِى حَدِيثِ عَاصِمٍ "إِذَا لَمْ يَكُنْ فِى الإِبِلِ ابْنَةُ مَخَاضٍ وَلاَ ابْنُ لَبُونٍ فَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ شَاتَانِ"