‌‌مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما336

مسند احمد

‌‌مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما336

حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا معمر، أخبرنا ابن شهاب، وعبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا على راحلته بمنى، قال: فأتاه رجل، فقال: يا رسول الله، إني كنت أرى أن الحلق قبل الذبح، فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: " اذبح ولا حرج "، قال: ثم جاءه آخر، فقال: يا رسول الله، إني كنت أرى أن الذبح قبل الرمي، فذبحت قبل أن أرمي؟ قال: " فارم ولا حرج "، قال: فما سئل عن شيء قدمه رجل قبل شيء إلا قال: " افعل ولا حرج " قال عبد الرزاق: وجاءه آخر، فقال: يا رسول الله، إني كنت أظن أن الحلق قبل الرمي، فحلقت قبل أن أرمي، قال: " ارم ولا حرج " (1)

حَجَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حَجَّةَ الوَداعِ في آخِرِ حَياتِه في السَّنةِ العاشرةِ مِن الهجرةِ، وبيَّن فيها للناسِ مَناسِكَهم وأحكامَ الحجِّ، وما يُباحُ فيه وما يَحرُمُ مِن الأقوالِ والأفعالِ.وفي هذا الحديثِ يَروي عبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقَفَ في حَجَّتِه وهو راكبٌ على دابَّتِه -كما في رِوايةِ مُسلمٍ- في مَشعَرِ مِنًى عندَ الجَمرةِ بعدَ الزَّوالِ مِن يومِ النَّحرِ، ومِنًى: وادٍ يُحيطُ به الجِبالُ، يقَعُ في شَرقِ مكَّةَ على الطَّريقِ بيْن مكَّةَ وجبَلِ عَرَفةَ، ويَبعُدُ عن المسجِدِ الحرامِ نحوَ سِتَّةِ كِيلو متراتٍ تَقريبًا، وهو مَوقعُ رمْيِ الجَمراتِ وتُذبَحُ فيه الهَدايا.وفي ذلك المشهدِ العَظيمِ والجمِّ الغَفيرِ وقَفَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لكي يَسأَلَه الحُجَّاجُ ويَستفتونَه فيما يَحتاجون إليه مِن أحكامِ الحجِّ، ومنها: أنَّ رجلًا غفَلَ ونَسِيَ فخالَفَ التَّرتيبَ بيْن المناسِكِ، فقدَّم الحَلْقَ على الذَّبحِ، فأجابَه النبيُّ الكريمُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «اذبَحْ ولا حرَجَ»، فلا إثمَ عليك ولا دَمَ، ومنها أيضًا: أنَّ رجُلًا نحَرَ الهدْيَ قبْلَ أنْ يَرميَ جَمرةَ العقَبةِ، فأجابَه النبيُّ الكريمُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ارْمِ ولَا حَرَجَ». فَما سُئِلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن شَيءٍ قُدِّمَ ولَا أُخِّرَ مِن أعمالِ الحجِّ في هذا اليومِ؛ إلَّا قالَ للسائلِ: «افعَلْ ولا حرَجَ»، فلا تَضييقَ في الأمرِ ولا دمَ عليكم، ولا يَقَعُ عليكم شَيءٌ مِنَ الإثْمِ والذَّنبِ في تَقديمِ عَمَلٍ على عَمَلٍ أو تَأخيرِه.وهذا مِن التَّيسيرِ على الناسِ؛ لأنَّ وقْتَ الحَجِّ وقْتٌ شَديدٌ، وفيه مِن المَشقَّاتِ والضَّرورياتِ ما يُضطَرُّ معه الناسُ إلى فِعلِ أُمورٍ كَثيرةٍ دونَ تَرتيبٍ، فرَفَعَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الحرَجَ عن الناسِ في التَّرتيبِ؛ فالمُهِمُّ هو الإتيانُ بأعْمالِ الحجِّ، وإنْ كان الأَولى أنْ يَتَّبِعوا هَدْيَه وسُنَّتَه فيما أخبَرَ ورُوِيَ عنه.

وفي الحَديثِ: بَيانُ شَفَقةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأُمَّتِه بالتَّخفيفِ عنهم في مَناسِكِ الحَجِّ.