مسند عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه 561

مسند احمد

مسند عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه 561

 حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن معمر، عن عبد الله بن عثمان، عن القاسم، عن أبيه، أن الوليد بن عقبة أخر الصلاة مرة، فقام عبد الله بن مسعود فثوب بالصلاة، فصلى بالناس، فأرسل إليه الوليد: ما حملك على ما صنعت؟ أجاءك من أمير المؤمنين أمر فيما فعلت، أم ابتدعت؟ قال: «لم يأتني أمر من أمير المؤمنين، ولم أبتدع ولكن أبى الله عز وجل علينا، ورسوله أن ننتظرك بصلاتنا، وأنت في حاجتك»

صَلاةُ الجَماعةِ لها فضلٌ كَبيرٌ، ولها أحكامٌ كَثيرةٌ؛ مِنها ما يَتَعَلَّقُ بالحُضورِ والإتيانِ للصَّلاةِ، ومِنها ما يَتَعَلَّقُ بالإمامةِ في الصَّلاةِ، وأنَّ أحَقَّ النَّاسِ بالإمامةِ هو أميرُ البَلدِ أو إمامُ المَسجِدِ أوِ المسؤولُ الكَبيرُ، فلا يَتَقدَّمْ أحَدٌ عليه بشَرطِ ألَّا يَتَأخَّرَ بالنَّاسِ عن وقتِ الصَّلاةِ، فإذا تَأخَّرَ فلهم أن يُقدِّموا أحَدَهم ويُصَلُّوا

وفي هذا الحَديثِ يُخبرُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ، أحَدُ التَّابِعينَ، أنَّ الوليدَ بنَ عُقبةَ، وهو أخو عُثمانَ بنِ عَفَّانَ لأُمِّه، وله صُحبةٌ، كان واليًا لعُثمانَ على مَدينةِ الكوفةِ، أخَّرَ الصَّلاةَ مَرَّةً، أي: أخَّرَ الصَّلاةَ بالنَّاسِ عن وقتِها المُعتادِ في إحدى المَرَّاتِ وهو بالكوفةِ، كَما في الرِّوايةِ الأُخرى، فقامَ عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه فثَوَّب بالصَّلاةِ وصَلَّى بالنَّاسِ. التَّثويبُ الإقامةُ، أي: أقامَ الصَّلاةَ بنَفسِه، أو أمَر المُؤَذِّنَ بالإقامةِ، ثُمَّ صَلَّى بالنَّاسِ، فأرسَل إليه الوليدُ، أي: بَعَثَ الوليدُ مَن يُحضِرُ ابنَ مَسعودٍ، فلمَّا جاءَ ابنُ مَسعودٍ قال له الوليدُ: ما حَمَلَك على ما صَنَعتَ؟ أي: ما الدَّاعي والباعِثُ لك يا ابنَ مَسعودٍ على أن صَلَّيتَ بالنَّاسِ قَبلَ أن آتيَ إليكُم؟ أجاءَك مِن أميرِ المُؤمِنينَ أمرٌ فيما فعَلتَ، أم ابتَدَعتَ؟! أي: هَل كان ذلك بسَبَبِ أمرٍ مِن أميرِ المُؤمِنينَ بذلك، فنَسمَعُ ونُطيعُ، والمُرادُ بأميرِ المُؤمِنينَ هنا هو عُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه. أو كان فِعلُك هذا بدعةً وإحداثًا في الدِّينِ؛ أن تُصَلِّيَ بالنَّاسِ بدونِ إذنِ الأميرِ أوِ الإمامِ أو قَبلَ حُضورِه؟! فقال له ابنُ مَسعودٍ: لم يَأتِني أمرٌ مِن أميرِ المُؤمِنينَ، ولم أبتَدِعْ، أي: لم يَكُنْ شَيءٌ مِن ذلك؛ فليسَ عِندي أمرٌ مِن أميرِ المُؤمِنينَ، وأيضًا لم أبتَدِعْ بِدعةً، وجاءَ في رِوايةٍ: ومَعاذَ اللَّهِ أن أكونَ ابتَدَعتُ! ولكِن أبى، أي: يَمنَعُ، اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ علينا ورَسولُه أن نَنتَظِرَك بصَلاتِنا وأنتَ في حاجَتِك، أي: لم يَكُنِ اللَّهُ ورَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليَجعَلانا نُؤَخِّرُ الصَّلاةَ مِن أجلِ انشِغالِك في حَوائِجِك وشُؤونِك! ويُريدُ أنَّ السُّنَّةَ تَعجيلُ الصَّلاةِ في أوَّلِ وقتِها، وقد تَأخَّرَ عنِ الوقتِ المُستَحَبِّ، فلا يَصِحُّ لهم تَأخيرُ الصَّلاةِ لأجلِه، وهو مَشغولٌ عنها بحاجَتِه، لا سيَّما وأنَّ مَن صَلَّى بهم أفضَلُ مِنه، وهو عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، وقد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ابنَ مَسعودٍ بأنَّه سيَأتي أُناسٌ يُؤَخِّرونَ الصَّلاةَ عن وَقتِها، وأمَرَه إذا جاءَ ذلك الزَّمانُ أن يُصَلِّيَ الصَّلاةَ في وقتِها
وفي الحَديثِ أنَّ الإمامَ إذا تَأخَّرَ مَجيئُه للصَّلاةِ عن وقتِ الفضيلةِ فيَجوزُ لغَيرِه مِمَّن تَتَوفَّرُ فيهم شُروطُ الإمامةِ أن يُصَلِّيَ بالنَّاسِ إذا لم يَتَرَتَّبْ على ذلك فِتنةٌ