مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه 1
مسند احمد

حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة، قال: جاء ناس من أهل الشام إلى عمر فقالوا: إنا قد أصبنا أموالا وخيلا [ص:245] ورقيقا نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور، قال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله. واستشار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وفيهم علي فقال علي: «هو حسن، إن لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها من بعدك»
في هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابعيُّ حارِثةُ بنُ مُضرِّبٍ: "أنَّ قَومًا من أهْلِ مِصْرَ أتَوْا عُمَرَ بنَ الخطَّابِ"، وكانَ حِينئذٍ خَليفةَ المُسلِمينَ، "فقالوا: إنَّا قد أصَبْنا كُراعًا ورَقيقًا"، والكُراعُ اسْمٌ يُطلَقُ على جَميعِ الخَيلِ، والرَّقيقُ هُم العَبيدُ المَمْلوكونَ لِغَيرِهِم، والمَعْنى أنَّهم اشْتَرَوْا هذه الأشياءَ للتِّجارةِ، قالوا: "وإنَّا نُحِبُّ أنْ نُزكِّيَهُ" نُطهِّرُهُ بإخْراجِ الزَّكاةِ منه، ولعلَّهم تأوَّلُوا عُمومَ قَولِهِ تَعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] "قال: ما فَعَلَهُ صاحِبايَ قَبْلي، ولا أفعَلُهُ حتى أستَشيرَ"، يَعني: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَفا عن الزَّكاةِ في الخَيلِ والرَّقيقِ، وسارَ أبو بَكرٍ على ذلِكَ -وقد أجمَعَ العُلَماءُ على أنْ لا زَكاةَ على أحَدٍ في رَقيقِهِ إلَّا أنْ يكونَ اشْتَراهُم للتِّجارةِ، فإنِ اشْتَراهُم للقُنْيةِ، فلا زكاةَ في شَيءٍ منهم- "فشاوَرَ أصْحابَ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" ممَّن كانوا مَوْجودينَ عِندَه في المدينةِ المُنوَّرةِ "فقالوا: حَسَنٌ"، أي: إنَّ أخْذَك الصَّدَقةِ منهم شَيءٌ حَسَنٌ تَطهُرُ بها أمْوالُهُم، "وسَكَتَ علِيٌّ" لم يَتكلَّمْ، ولم يُدلِ برَأيِهِ، فقالَ له عُمَرُ رضِيَ اللهُ عنه: "ألَا تَكلَّمُ يا أبا الحَسَنِ؟" تُدْلي برَأيِكَ ومَشورَتِكَ؟ فقال علِيٌّ رضِيَ اللهُ عنه: "قد أشاروا عليكَ وهو حَسَنٌ، إنْ لم يكُنْ جِزْيةً راتِبةً يُؤخَذونَ بها بَعدَك"، وهذه مُوافَقةٌ منه على ما قاله جَمعُ الصَّحابةِ، ولكِنَّه أضافَ حِرْزًا، وهو أنْ يُبيِّنَ عُمَرُ أنَّ هذا من بابِ التَّطوُّعِ غَيرِ المُلزِمِ حتى لا يَفرِضَهُ عليهم الوُلاةُ بعدَ عُمَرَ رضِيَ اللهُ عنه، "قالَ: فأخَذَ مِنَ الرَّقيقِ عَشَرةَ دَراهِمَ" على كُلِّ رَأسٍ "ورزَقَهُم جَريبَينِ من بُرٍّ كُلَّ شَهرٍ"، والجَريبُ من الطَّعامِ والأرْضِ مِقْدارٌ مَعْلومٌ من الطَّعامِ، وهو يُساوي بالمَكايِيلِ الحَديثةِ 97.92 كيلو جِرامًا، أو 156 كيلو جِرامًا على اختِلافِ التَّقْديرِ بيْنَ المَذاهِبِ. "وأخَذَ مِنَ الفَرَسِ عَشَرةَ دَراهِمَ"، والفَرَسُ مَقْصودٌ بها ما كان أصيلًا من الخَيلِ العَرَبيِّ، "ورزَقَهُ عَشَرةَ أجْرِبةٍ من شَعيرٍ كُلَّ شَهرٍ" لِعَلَفِهم وطَعامِهِم "وأخَذَ من المَقاريفِ ثَمانيةَ دَراهِمَ"، والمَقاريفُ جَمعُ مُقرِفٍ، وهو الهَجينُ الَّذي أُمُّه عَرَبيَّةٌ، وأبوه ليس كذلِكَ؛ وهو من الخَيلِ دُونَ الجَوادِ والفَرَسِ "ورزَقَها ثَمانيةَ أجْرِبةٍ من شَعيرٍ كُلَّ شَهرٍ، وأخَذَ من البَراذِينِ خَمْسةَ دَراهِمَ" والبَراذينُ جَمعُ البِرْذَوْنِ، ويُطلَقُ على غَيرِ العَرَبيِّ من الخَيلِ والبِغالِ، وهو عَظيمُ الخِلْقةِ، غَليظُ الأعْضاءِ، قَويُّ الأرجُلِ، عَظيمُ الحَوافِرِ "ورزَقَها خَمْسةَ أجْرِبةٍ من شَعيرٍ كُلَّ شَهرٍ"، فيكونُ بذلِكَ قد صنَّفَ هذه الحَيَواناتِ بحسَبِ أصْلِها وقُوَّتِها وقيمَتِها ونَفعِها في الحَربِ وغَيرِهِ، وحدَّدَ قيمةَ ما يُؤخَذُ عليها من صَدَقاتِ التَّطوُّعِ، وحدَّدَ ما يُعْطى لها من بَيتِ مالِ المُسلِمينَ
وفي الحَديثِ: بَيانُ ما كان عليه الصَّحابةُ رِضْوانُ اللهِ عليهم من التِزامٍ بالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ وعَدَمِ الحَيدِ عنها
وفيه: أنَّ للإمامِ أنْ يُقرِّرَ ما فيه مَصْلَحةٌ للنَّاسِ بما لا يَتَعارَضُ مع النُّصوصِ الصَّحيحةِ
وفيه: بَيانُ ما كان عليه أصْحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الأخْذِ بالشُّورى والاهتِمامِ بها