‌‌مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه 157

مسند احمد

‌‌مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه 157

 حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال سمعت أبا جمرة الضبعي، يحدث عن جويرية بن قدامة، قال: حججت فأتيت المدينة العام الذي أصيب فيه عمر قال: فخطب فقال: «إني رأيت كأن ديكا أحمر نقرني نقرة أو نقرتين» - شعبة الشاك - فكان من أمره أنه طعن، فأذن للناس عليه، فكان أول من دخل عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أهل المدينة، ثم أهل الشام، ثم أذن لأهل العراق، فدخلت فيمن دخل، قال: فكان كلما دخل عليه قوم أثنوا عليه وبكوا، قال: فلما دخلنا عليه قال: وقد عصب بطنه بعمامة سوداء، والدم يسيل، قال: فقلنا: أوصنا، قال: وما سأله الوصية أحد غيرنا، فقال: «عليكم بكتاب الله، فإنكم لن تضلوا ما اتبعتموه» ، فقلنا: أوصنا، فقال: «أوصيكم بالمهاجرين، فإن الناس سيكثرون ويقلون، وأوصيكم بالأنصار، فإنهم شعب الإسلام الذي لجئ إليه، وأوصيكم بالأعراب فإنهم أصلكم ومادتكم، وأوصيكم بأهل ذمتكم، فإنهم عهد نبيكم [ص:432] ورزق عيالكم، قوموا عني» ، قال: فما زادنا على هؤلاء الكلمات، قال محمد بن جعفر: قال شعبة: ثم سألته بعد ذلك فقال في الأعراب: «وأوصيكم بالأعراب فإنهم إخوانكم، وعدو عدوكم» ،

الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم خَيرُ القُرونِ؛ فهمُ الذينَ ناصَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووقَفوا مَعَه، وكانوا يُقدِّمونَ أنفُسَهم دونَ نَفسِه؛ ولهذا أثنى اللهُ تَعالى عليهم، وأثنى عليهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن خيرةِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه ثاني الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وسيرَتُه وحَياتُه مَليئةٌ بالدُّروسِ والعِبَرِ

وفي هذا الحَديثِ بَيانُ رُؤيا عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه لمَقتَلِه، يَقولُ جُوَيريَّةُ بنُ قُدامةَ، وهو أحَدُ كِبارِ التَّابعينَ: إنَّه ذَهَبَ إلى الحَجِّ وبَعدَ انتِهائِه مِنَ الحَجِّ جاءَ إلى المَدينةِ في العامِ الذي أُصيبَ فيه عُمَرُ رَضيَ اللهُ عنه، وكان وفاةُ عُمَرَ سَنةَ ثَلاثٍ وعِشرينَ للهجرةِ، وذلك أنَّ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه قَبلَ مَوتِه رَأى رُؤيا، فخَطَبَ في النَّاسِ فقال: إنِّي رَأيتُ كَأنَّ ديكًا أحمَرَ نَقَرَني نَقرةً أو نَقرَتَينِ -شُعبةُ الشَّاكُّ- أي: شُعبةُ أحَدُ الرُّواةِ شَكَّ: هل قال: نَقرةً أو نَقرَتَينِ. فتَحَقَّقَتِ الرُّؤيا؛ فقد جاءَ في الرِّوايةِ الأُخرى: فما كان إلَّا جُمُعةٌ أو نَحوُها حَتَّى أُصيبَ! فكان مِن أمرِه أنَّه طُعِن، طَعنه أبو لُؤلُؤةَ المَجوسيُّ- لعنه اللهُ- أثناءَ صَلاةِ عُمَرَ الفَجرَ، فأَذِنَ للنَّاسِ عليه، أي: أذِنَ عُمَرُ للنَّاسِ أن يَدخُلوا عليه، فكان أوَّلَ مَن دَخَلَ عليه أصحابُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ أهلُ المَدينةِ، ثُمَّ أهلُ الشَّامِ، ثُمَّ أذِنَ لأهلِ العِراقِ، يَقولُ جُوَيريَّةُ: فدَخَلتُ فيمَن دَخَلَ، فكان كُلَّما دَخَلَ عليه قَومٌ أثنَوا على عُمَرَ وبَكَوا! فلَمَّا دَخَلنا عليه وكان عُمَرُ قد عَصَبَ، أي: رَبَطَ بَطنَه بعِمامةٍ سَوداءَ، والدَّمُ يَسيلُ، فقُلنا: أوصِنا، وما سَألَه الوَصيَّةَ أحَدٌ غَيرُنا، أي: أنَّ كُلَّ مَن دَخلَ على عُمَرَ أثنى عليه وبَكى إلَّا نَحنُ طَلَبْنا مِنه الوصيَّةَ، فقال عُمَرُ يوصيهم: عليكم بكِتابِ اللهِ، أي: الزَموا وتمسَّكوا بكِتابِ اللهِ والعَمَلِ به؛ فإنَّكم لَن تَضِلُّوا ما اتَّبَعتُموه، ثُمَّ قالوا مَرَّةً أُخرى: أوصِنا، فقال: أوصيكم بالمُهاجِرينَ، أي: بالصَّحابةِ الذينَ هاجَروا مِن مَكَّةَ إلى المَدينةِ، وذلك لأنَّ النَّاسَ سَيَكثُرونَ ويَقِلُّ المُهاجِرونَ، وأوصيكم بالأنصارِ؛ فإنَّهم شِعبُ الإسلامِ. وهو ما انفرَجَ بَينَ الجَبَلَينِ؛ فإنَّه كالحِصنِ الذي لُجِئَ إليه. وأوصيكم بالأعرابِ فإنَّهم أصلُكم ومادَّتُكم، وأوصيكم بأهلِ ذِمَّتِكم، وهمُ الكُفَّارُ الذينَ لَم يَدخُلوا في الإسلامِ، ويَدفعونَ الجِزيةَ، فلَهم أمانُ المُسلمينَ؛ فإنَّهم عَهدُ نَبيِّكم، أي: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أوصى بهم، ورِزقُ عِيالِكم، أي: ما يَدفعونَه مِنَ الجِزيةِ، ثُمَّ قال لَهم: قوموا عنِّي. ولم يَزِدْهم على هؤلاء الكَلِماتِ
قال مُحَمَّدُ بنُ جَعفَرٍ، وهو أحَدُ الرُّواةِ: قال شُعبةُ، وهو أحَدُ الرُّواة: ثُمَّ سَألتُه، أي: سَألَ أبا جَمرةَ الضَّبعيَّ، وهو الذي حَدَّثَ عن جُوَيريَّةَ هذه القِصَّةَ، بَعدَ ذلك، وفيه أنَّ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه قال في الأعرابِ: وأوصيكم بالأعرابِ فإنَّهم إخوانُكم، وعَدوُّ عَدوِّكم
وفي الحَديثِ تَحَقُّقُ رُؤيا عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه في مَقتَلِه
وفيه مَشروعيَّةُ دُخولِ النَّاسِ على المُحتَضَرِ والجُلوسِ مَعَه
وفيه مَشروعيَّةُ الوصيَّةِ عِندَ المَوتِ
وفيه ثَناءُ النَّاسِ على عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه
وفيه مَشروعيَّةُ طَلَبِ الوصيَّةِ مِمَّن أشرَف على المَوتِ
وفيه الحِرصُ على سُؤالِ أهلِ الفَضلِ والصَّلاحِ الوَصيَّةَ
وفيه أهَمِّيَّةُ الوصيَّةِ بكِتابِ اللهِ تعالى
وفيه فَضلُ المُهاجِرينَ والأنصارِ
وفيه الوصيَّةُ بالأعرابِ
وفيه الوصيَّةُ بأهلِ الذِّمَّةِ