‌‌حديث عبد الله بن عامر

مسند احمد

‌‌حديث عبد الله بن عامر

حدثنا هاشم، حدثنا الليث، عن محمد بن عجلان، عن مولى لعبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي، عن عبد الله بن عامر، أنه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا وأنا صبي، قال: فذهبت أخرج لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله تعال أعطك (2) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما أردت أن تعطيه؟ " قالت: أعطيه تمرا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة "

الكَذِبُ صِفَةٌ مَمقوتةٌ ومَذمومةٌ، والمُسلِمُ الحقُّ يتَحرَّى الصِّدقَ التَّامَّ في كلامِه، ولو كان مازِحًا، ومِنْ عادةِ الآباءِ عِنْدَ مُداعَبَةِ أطفالِهم أن يَعِدُوهم ببعضِ الوعودِ؛ لتَطييبِ خَواطِرِهم أو إسكاتِهم وإلهائِهم، ثُمَّ لا يُنفِّذُ ذلك إلَّا قليلٌ من النَّاسِ، وهذا ضَرْبٌ مِن الكَذِبِ المَنهيِّ عَنْه.
وفي هذا الحديثِ يَقولُ عَبْدُ الله بنُ عامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه: "دَعَتْني أُمِّي يومًا"، أي: نادَتْني أُمِّي ذاتَ يومٍ، وذلك وهو صغيرٌ، "ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قاعِدٌ في بَيتِنا، فقالت: ها"، أي: تُنادي عليهِ، "تَعالَ أُعْطيكَ"، أي: أَقْبِلْ عِنْدي لأُعْطيَك شيئًا، ولم تُسمِّ هذا الشَّيءَ، فقال لها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "وما أَرَدْتِ أنْ تُعْطيهِ؟"، أي: اسْتَوقَفَها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُسْتَبينًا عن صِدْقِ وَعْدِها لابنِها ومُحايَلتِها لَه، قالت: "أُعْطيه تَمْرًا"، أي: أَرادَتْ أنْ تُعطيَه تَمْرًا، فقال لها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "أمَا إنَّكِ لو لَمْ تُعطيه شيئًا كُتِبَتْ عليكِ كَذِبةً"، أي: يُحذِّرُها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنْ مُواعَدةِ الأطفالِ ومُلاعبَتِهم بالكَذِبِ، وما يَنْتِجُ عَنْ ذلك مِنْ أثَرٍ سلبيٍّ في تَربيةِ الأبناءِ واعتيادِهم على الكَذِبِ مُنْذُ صِغَرِهم.
وفي الحَديثِ: بيانُ ما كان عليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن مُلاحظةِ ما يَصدُر من أفرادِ أمَّتِه؛ فيقرُّ لهم الصوابَ، ويُصوِّبُ لهم الخطأَ، وهكذا يَنبغي أنْ يكونَ الإمامُ والحاكمُ والمربِّي.
وفيه: الزَّجْرُ والتَّحذيرُ من الكَذِبِ في كُلِّ الأحوالِ مهما كان الأمرُ يسيرًا.