باب النهي عن التطير 2
بطاقات دعوية

وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة. وإن كان الشؤم في شيء ففي الدار، والمرأة، والفرس (1)». متفق عليه. (2)
كتب الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة؛ فلا يجري شيء في الكون إلا بعلمه وقدره، والتشاؤم والتفاؤل لا يغيران من قدر الله شيئا؛ فالذي ينبغي للمؤمن أن يعلمه أن تشاؤمه لن يغير من قدر الله شيئا، وأن قدره تعالى كله له خير، وما يحصله من تشاؤمه إنما هو تعذيب نفسه فقط
وفي هذا الحديث يخبر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنهم ذكروا الشؤم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشؤم والتشاؤم: هو التوهم بوقوع المكروه بشيء ما، فيظن أن هذا الشيء هو السبب فيما حدث أو أصاب العبد. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إن كان الشؤم في شيء ففي الدار، والمرأة، والفرس. والمعنى: إن يكن الشؤم حقا وله وجود في شيء فهذه الثلاثة المذكورة -الدار، والمرأة، والفرس- أحق به، لكن لا وجود له فيها أصلا. وعلى هذا فالشؤم في الحديث محمول على الإرشاد منه صلى الله عليه وسلم، يعني: إن كانت له دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس لا تعجبه؛ فليفارق بالانتقال من الدار، ويطلق المرأة، ويبع الفرس؛ حتى يزول عنه ما يجده في نفسه من الكراهة. أو المعنى: أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها، ومن شؤم الدار ضيقها، وسوء جوارها، وكونها بعيدة من المسجد لا يسمع منها الأذان، ومن شؤم المرأة أن تكون غير ولود أو غير صالحة، ومن شؤم الفرس ألا يغزى عليها
ولهذه الأشياء الثلاثة -المرأة، والدار، والفرس- أهمية عظمى، وأثر كبير في حياة الإنسان؛ فإن كانت المرأة ملائمة لزوجها خلقا، متفاهمة معه، مخلصة له، مطيعة وفية، وكانت الدار صحية واسعة مناسبة له ولأسرته، وكانت الفرس –أو ما في معانيها مما يركب، مثل السيارة- التي يركبها قوية مريحة؛ ارتاح الإنسان في حياته، وشعر بالسعادة وأحس بالاطمئنان والاستقرار النفسي. وأما إذا كانت الزوجة غير صالحة، أو الدار غير مناسبة، أو الفرس أو السيارة غير مريحة؛ فإن الإنسان يشعر بالتعاسة والقلق، ويتعب تعبا جسميا ونفسيا معا
وقيل: الشؤم في هذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها وتطير بها، أما من توكل على الله، ولم يتشاءم، ولم يتطير؛ لم تكن مشؤومة عليه، ويدل عليه ما رواه ابن حبان عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطيرة على من تطير»، ومعناه: إثم الطيرة على من تطير بعد علمه بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الطيرة
وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن الشؤم يكون في هذه الثلاثة ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق منها أعيانا مشؤومة على من قاربها، وأعيانا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر، وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدا مباركا يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدا مشؤوما نذلا يريان الشر على وجهه، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة
وفي الحديث: إشارة إلى الأمر بفراق أسباب التشاؤم والمبادرة إلى التحول منها؛ لأنه متى استمر فيها ربما حمله ذلك على اعتقاد صحة الطيرة والتشاؤم، وهو نظير الأمر بالفرار من المجذوم مع صحة نفي العدوى؛ لحسم المادة وسد الذريعة؛ لئلا يوافق شيء من ذلك القدر فيعتقد من وقع له أنه من الطيرة؛ فيقع في اعتقاد ما نهي عن اعتقاده