"باب ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام: "عليكم هديا قاصدا"

"باب ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام: "عليكم هديا قاصدا"

حدثنا أبو الخطاب، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي برزة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم هديا قاصدا، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه» .

هذا الدِّينُ دينُ اليُسرِ والتَّيسيرِ والحَنيفيَّةِ السَّمحةِ، وقد أعطى وراعى إعطاءَ كُلِّ ذي حَقٍّ حَقَّه، فلا غُلوَّ ولا تَفريطَ، وقد وجَّهَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصحابَه بذلك ومَنَعَهم من بَعضِ التَّجاوُزاتِ التي كانت تَحصُلُ منهم، وبَيَّنَ لَهمُ القَصدَ في العِبادةِ وعَدَمَ التَّشديدِ على النَّفسِ في النَّوافِلِ، وفي هذا الحَديثِ يَحكي بُرَيدةُ بنُ الحُصَيبِ رَضيَ اللهُ عنه جانِبًا مِن جَوانِبِ أمرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في القَصدِ في الدِّينِ، فيَقولُ: إنَّه خَرَجَ ذاتَ يَومٍ يَمشي لحاجةٍ، أي: لغَرَضٍ مِنَ الأغراضِ، فإذا هو برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَمشي فظَنَّه يُريدُ حاجةً، أي: ظَنَّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُريدُ أن يَذهَبَ لقَضاءِ حاجةٍ، فجَعَلَ بُرَيدةُ يَكُفُّ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أي: يَتَعَرَّضُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَتَّى يَراه كما في رِوايةٍ أُخرى، ولَم يَزَلْ يَفعَلُ ذلك، أي: استَمَرَّ يَتَعَرَّضُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حَتَّى رَآه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأشارَ إليه أن يَأتيَ، فذَهَبَ بُرَيدةُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخَذَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيَدِ بُرَيدةَ وانطَلَقا يَمشيانِ جَميعًا، حَتَّى وصَلوا إلى رَجُلٍ بَينَ أيديهم، أي: أمامَهم يُصَلِّي يُكثِرُ الرُّكوعَ والسُّجودَ، أي: أنَّه يُكثِرُ على نَفسِه في الصَّلاةِ. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لبُرَيدةَ: أتُرى يُرائي؟ أي: هَل تَظُنُّ أنَّ هذا الشَّخصَ يُرائي في صَلاتِه. فقال بُرَيدةُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ. وهذا مِن أدَبِه رَضيَ اللهُ عنه مَعَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ثُمَّ أرسَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدَه مِن يَدِ بُرَيدةَ، وطَبَّق، أي: جَمَعَ بَينَ يَدَيه ثَلاثَ مِرارٍ، وفي رِوايةٍ: وضَرَبَ بإحدى يَدَيه على الأُخرى، وجَعَلَ يَرفعُ يَدَيه ويُصَوِّبُهما، أي: يَخفِضُهما، ويَقولُ: عليكُم هَديًا قاصِدًا! عليكُم هَديًا قاصِدًا! عليكُم هَديًا قاصِدًا! أي: طَريقًا وسَطًا مُعتَدِلًا لا إفراطَ فيه ولا تَفريطَ، والمَعنى: الزَموا القَصدَ في العَمَلِ وهو استِقامةُ الطَّريقِ أوِ الأخذُ بالأمرِ الذي لا غُلوَّ فيه ولا تَقصيرَ؛ فإنَّه مَن يُشادَّ هذا الدِّينَ يَغلِبْه، أي: يُقابِلْه بالشِّدَّةِ، والمَعنى: أنَّ مَن يُقاوِمُ هذا الدِّينَ ويُكَلِّفُ نَفسَه مِنَ العِباداتِ فوقَ طاقَتِه يُؤَدِّي به ذلك إلى التَّقصيرِ في العَمَلِ وتَركِ الواجِباتِ. وكَرَّرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الجُملةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ للتَّأكيدِ. وإنَّما أمرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالهَديِ القاصِدِ ليَدومَ ذلك مِن أهلِه ويَستَمِرَّ عليه صاحِبُه.

وفي الحَديثِ حِرصُ الصَّحابةِ على مُرافقةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمَشيِ مَعَه.

 وفيه اهتِمامُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأصحابِه.

 وفيه تَواضُعُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه أدَبُ الصَّحابةِ مَعَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

وفيه مَشروعيَّةُ قَولُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لمَن لَم يَعرِفِ الجَوابَ.

وفيه الأمرُ بلُزومِ القَصدِ في العِبادةِ. وفيه التَّحذيرُ مِن مُشادَّةِ الدِّينِ