‌‌مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم179

مسند احمد

‌‌مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم179

حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن ذر بن عبد الله الهمداني، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني أحدث نفسي بالشيء، لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة "

اللهُ تعالى رَحيمٌ بعِبادِه، ومِن رَحمَتِه أنَّه سُبحانَه لَم يُكَلِّفْهم ما لا يُطيقونَ؛ ولِذلك عَفا عنهم عَمَّا يَقَعُ في نُفوسِهم وصُدُورهم مِنَ الوساوِسِ التي تَتَعَلَّقُ باللهِ تعالى، فإنَّ الشَّيطانَ يَأتي للإنسانِ يوسوِسُ له ويَسألُه: مَن خَلَق كَذا؟ مَن خَلَقَ كَذا؟ حتَّى يَقولَ له: مَن خَلَق اللهَ؟! وهذه الوساوِسُ مِنَ الأمورِ العَظيمةِ التي كانت تُزعِجُ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم ويَتَخَوَّفونَ مِنها؛ ولِهذا أخبَروا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقالوا له: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا نُحَدِّثُ أنفُسَنا بالشَّيءِ، أي: يَقَعُ في نُفوسِنا بَعضُ الوساوِسِ التي يُلقيها علينا الشَّيطانُ؛ لَأن يَكونَ أحَدُنا حُمَمةً -وهيَ الفَحمةُ، أي: يَتَمَنَّى الواحِدُ مِنَّا أن يُصبِحَ فَحمةً- أحَبُّ إليه مِن أن يَتَكَلَّمَ به! أي: خَيرٌ له وأفضَلُ مِن أن يَتَكَلَّمَ بتلك الوساوِسِ والخَواطِر. والمَعنى: أنَّه يَجري في قُلوبِنا مِنَ الأشياءِ ما لَأن يَحتَرِقَ الواحِدُ مِنَّا ويَصيرَ فَحمًا أحَبُّ إليه مِن أن يَتَلَفَّظَ بما يَجري في قَلبِه مِنَ الوساوِسِ؛ مِن غايةِ قُبحِها لتَعَلُّقِها بالخَوضِ في ذاتِ اللهِ تعالى، وما لا يَليقُ به سُبحانَه. قال، أي: قال شُعبةُ بنُ الحَجَّاجِ أحَدُ رُواةِ هذا الحَديثِ، وقد رَوى شُعبةُ هذا الحَديثَ عن راويَينِ، وهما سُلَيمانُ الأعمَشُ، ومَنصورُ بنُ المُعتَمِرِ، وكُلُّ راوٍ رَوى الحَديثَ بلَفظٍ مُختَلِفٍ عنِ الآخَرِ، فقال أحَدُهما، أي: رَوى أحَدُ الرُّواةِ لَفظَ الحَديثِ: وأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال للصَّحابةِ: الحَمدُ للهِ، الذي لم يَقدِرْ مِنكُم إلَّا على الوَسوسةِ، أي: للهِ الحَمدُ أنَّ الشَّيطانَ لَم يَستَطِعْ أن يَصِلَ إليكُم مِنَ الوسوسةِ إلَّا بمِثلِ هذه الخَواطِرِ. وقال الآخَرُ، أي: رَوى الرَّاوي الآخَرُ لَفظَ الحَديثِ، وأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال للصَّحابةِ: الحَمدُ للهِ الذي رَدَّ أمرَه إلى الوَسوسةِ، أي: للهِ الحَمدُ أن رَدَّ اللهُ كَيدَ الشَّيطانِ إلى الوَسوسةِ فقَط، ولَم يَجعَلْه يَتَجاوزُ بكُم إلى شَيءٍ آخَرَ. وإنَّما قال ذلك صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ الشَّيطانَ إنَّما يوسوِسُ لهم لأنَّه أَيِسَ مِن إغوائِهم، فيُنَكِّدُ عليهم بالوَسوسةِ؛ لعَجزِه عن إغوائِهم.
وفي الحَديثِ بَيانُ ما كان يَقَعُ في نُفوسِ الصَّحابةِ مِنَ الوساوِسِ.
وفيه حِرصُ الشَّيطانِ على إضلالِ الإنسانِ وإفسادِه.
وفيه بَيانُ شِدَّةِ إيمانِ الصَّحابةِ؛ حَيثُ لم يَتمكَّنِ الشَّيطانُ مِنهم إلَّا على هذه الوَساوِسِ فقَط.