مسند عثمان بن عفان رضي الله عنه 67
مسند احمد

حدثنا عبد الله، حدثنا أحمد بن عبدة البصري، حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، حدثني أبي عبد الرحمن بن الحارث، عن زيد بن علي بن حسين، عن أبيه علي بن حسين، عن عبيد الله بن أبي رافع، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة وهو مردف أسامة بن زيد، فقال: «هذا الموقف وكل عرفة موقف» ثم دفع يسير العنق، وجعل الناس يضربون يمينا وشمالا، وهو يلتفت ويقول: «السكينة أيها الناس، السكينة أيها الناس» حتى جاء المزدلفة، وجمع بين الصلاتين، ثم وقف بالمزدلفة، فوقف على قزح وأردف الفضل بن العباس، وقال: «هذا الموقف وكل مزدلفة موقف» ثم دفع وجعل يسير [ص:545] العنق، والناس يضربون يمينا وشمالا، وهو يلتفت ويقول: «السكينة أيها الناس، السكينة» وذكر الحديث بطوله
الحَجُّ فريضةٌ مِن فرائِضِ الدِّينِ شَرَعَها اللهُ لحِكَمٍ عَظيمةٍ
وقد بَيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صِفةَ الحَجّ بَيانًا كامِلًا بقَولِه وفِعلِه، وقال: خُذوا عنِّي مَناسِكَكُم، ومِمَّا جاءَ في صِفة حَجِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه وقَف بعَرَفةَ، وهو مُردِفٌ أُسامةَ بنَ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أي: جعَلَ أُسامةَ خَلفَه على الدَّابَّةِ، ثُمَّ قال: هذا المَوقِفُ، أي: في عَرَفةَ يَومَ التَّاسِع، وهو اسمٌ لبُقعةٍ مَعروفةٍ، وكُلُّ عَرَفةَ مَوقِفٌ، أي: وفي أيِّ مَكانٍ وقَف الحاجُّ في عَرَفة فهو مَوقِفٌ، ثُمَّ دَفعَ يَسيرُ العنَقَ، أي: جَعلَ الدَّابَّةَ تَسيرُ العنَقَ، وهو نَوعٌ مِن أنواعِ السَّيرِ السَّريعِ، وجَعَلَ النَّاسُ يَضرِبونَ يَمينًا وشِمالًا، أي: يَمشونَ عن يَمينِه وشِمالِه، وهو يَلتَفِتُ ويَقولُ: السَّكينةَ أيُّها النَّاسُ، السَّكينةَ أيُّها النَّاسُ، أي: الزَموا السَّكينةَ، وهيَ الرِّفقُ والطُّمَأنينةُ، وإنَّما أمرَهم بالسَّكينةِ؛ لأنَّهم كانوا يُسرِعونَ جِدًّا أكثَرَ مِن إسراعِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم،، حَتَّى جاءَ المُزدَلِفةَ، وجَمَعَ بَينَ الصَّلاتَينِ، أي: المَغرِبِ والعِشاءِ، جَمعَ تَأخيرٍ، ثُمَّ وقَف بالمُزدَلِفةِ. سُمِّيَت بذلك مِنَ التَّزَلُّفِ والازدِلافِ، وهو التَّقَرُّبُ؛ لأنَّ الحُجَّاجَ إذا أفاضوا مِن عَرَفاتٍ أزلَفوا إليها، أي: مَضَوا إليها وتَقرَّبوا مِنها، وقيلَ: سُمِّيَت بذلك لمَجيءِ النَّاسِ إليها في زُلَفٍ مِنَ اللَّيلِ، أي: ساعاتٍ، فوقَف على قُزَحَ، وهو القَرنُ، أي: المَكانُ المُرتَفِعُ الذي يَقِفُ عِندَه الإمامُ بالمُزدَلفةِ، وأردَف الفَضلَ بنَ عَبَّاسٍ، أي: جَعَلَ الفَضلَ خَلفَه على الدَّابَّةِ، وقال: هذا المَوقِفُ، وكُلُّ المُزدَلفةِ مَوقِفٌ، أي: وفي أيِّ مَكانٍ وقَف الحاجُّ في مُزدَلِفةَ فهيَ مَوقِفٌ، ثُمَّ دَفعَ وجَعَلَ يَسيرُ العنَقَ، أي: وهو نَوعٌ مِن أنواعِ السَّيرِ السَّريعِ، وجَعَلَ النَّاسُ يَضرِبونَ يَمينًا وشِمالًا، أي: يَمشونَ عن يَمينِه وشِمالِه، وهو يَلتَفِتُ ويَقولُ: السَّكينةَ أيُّها النَّاسُ، السَّكينةَ أيُّها النَّاسُ، أي: الزَموا السَّكينةَ، وهيَ الرِّفقُ والطُّمَأنينةُ، حَتَّى جاءَ مُحَسِّرًا -سَمِّي بذلك لأنَّ فيلَ أصحابِ الفيلِ حُسِر فيه أي: أعيا وكَلَّ- فقَرَعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم راحِلَتَه، أي: ضَرَبَها بسَوطِه لتُسرِعَ في السَّيرِ، فخَبَّت، أي: أسرَعَت، حَتَّى خَرَجَ، أي: خَرَجَ مِن وادي مُحَسِّرٍ، ثُمَّ عادَ لسَيرِه الأوَّلِ، أي: بدونِ إسراعٍ. والحِكمةُ في ذلك قيلَ: أنَّه فعَلَه لسَعةِ المَوضِعِ، وقيلَ: لأنَّ الأوديةَ مَأوى الشَّياطينِ، وقيلَ: لأنَّه كان مَوقِفًا للنَّصارى فأحَبَّ الإسراعَ فيه مُخالَفةً لَهم، وقيلَ: لأنَّ رَجُلًا اصطادَ فيه صَيدًا فنَزَلَت نارٌ فأحرَقَته، فكان إسراعُه لمَكانِ العَذابِ كما أسرَعَ في ديارِ ثَمودَ. حَتَّى رَمى الجَمرةَ، أي: وصَلَ إلى مِنًى ورَمى جَمرةَ العَقَبةِ يَومَ العاشِرِ مِن ذي الحِجَّةِ بسَبعِ حَصَياتٍ، ثُمَّ جاءَ المَنحَرَ. وهو مَكانٌ مُعَيَّنٌ في مِنًى، فقال: هذا المَنحَرُ، وكُلُّ مِنًى مَنحَرٌ، أي: في أيِّ مَكانٍ نَحرَ الحاجُّ هَدْيَه أجزَأه، ثُمَّ جاءَته امرَأةٌ شابَّةٌ مَن خَثعَمٍ، أي: مِن قَبيلةِ خَثعَمٍ، فقالت: إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ، وقد أفندَ، أي: كَبِرَ حَتَّى صارَ هَرَمًا وضَعُف رَأيُه واختَلَّ عَقلُه، وأدرَكَته، أي: وهو في تلك الحالةِ، فريضةُ اللهِ في الحَجِّ، ولا يَستَطيعُ أداءَها، فيُجزِئُ عنه أن أُؤَدِّيَها عنه؟ أي: أنَّ أباها كَبيرٌ في السِّنِّ ولا يَستَطيعُ أداءَ الحَجِّ، فهَل يُجزِئُ أن تَقومَ هيَ بأداءِ الحَجِّ عن أبيها. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: نَعَم، أي: نَعَم، يَصِحُّ أن تُؤَدِّيَه عنه. وجَعَلَ رَسولُ اللهِ يَصرِفُ، أي: يُبعِدُ، وَجهَ الفَضلِ بنِ العَبَّاسِ عنها؛ فقد كان الفَضلُ يَنظُرُ إلى المَرأةِ، ثُمَّ أتاه رَجُلٌ فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي رَمَيتُ الجَمرةَ، وأفَضْتُ، أي: ذَهَبتُ وطُفتُ طَوافَ الإفاضةِ، ولَبِستُ، أي: لَبسَ ثيابَه، ولَم أحلِقْ. فقال رَسولُ اللهِ: لا حَرَجَ، أي: لا إثمَ ولا دَمَ، فاحلِقْ، ثُمَّ أتاه رَجُلٌ آخَرُ، فقال: إنِّي رَمَيتُ وحَلَقتُ ولَبِستُ، ولَم أنحَرْ؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا حَرَجَ؛ فانحَرْ. والمَعنى: أنَّ مَن قدَّمَ أو أخَّرَ شَيئًا مِن أعمالِ يَومِ النَّحرِ فلا حَرَجَ عليه، وأعمالُ يَومِ النَّحرِ، هيَ: رَميُ جَمرةِ العَقَبةِ، وذَبحُ الهَديِ، والحَلقُ أوِ التَّقصيرُ، والطَّوافُ بالبَيتِ، والأفضَلُ أن تَكونَ مَرتَّبةً هَكَذا، ولَكِن إن قدَّمَ أو أخَّرَ فلا حَرَجَ عليه. ثُمَّ أفاضَ رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، أي: ذَهَبَ إلى البَيتِ لطَوافِ الإفاضةِ، وهو طَوافُ الحَجِّ، فدَعا بسَجلٍ، أي: دَلوٍ مِن ماءِ زَمزَم، فشَرِبَ مِنه وتَوضَّأ، ثُمَّ قال: انزِعوا يا بَني عَبدِ المُطَّلِبِ، أي: استَقوا بالدِّلاءِ وانزِعوها بالرِّشاءِ، وهو الحَبلُ الذي يُربَطُ في الدَّلوِ ليُجذَبَ به. والمَعنى: أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أتى بَني عَبدِ المُطَّلِبِ بَعدَ فراغِه مِن طَوافِ الإفاضةِ، فوجَدَهم يَسقونَ على زَمزَمَ، أي: يَغرِفونَ بالدِّلاءِ ويَصُبُّونَه في الحياضِ ونَحوِها ليَشرَبَ الحُجَّاجُ، أو يَسقونَهم مِنَ الدِّلاءِ نَفسِها، فلَولا أن تُغلَبوا عليها لَنَزَعتُ، أي: لَولا خَوفي أن يَعتَقِدَ النَّاسُ ذلك مِن مَناسِكِ الحَجِّ ويَزدَحِموا عليه بحَيثُ يَغلبونَكُم ويَدفعونَكُم عنِ الاستِقاءِ لاستَقَيتُ مَعَكُم لكَثرةِ فضيلةِ هذا الاستِقاءِ. فقال العَبَّاسُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ، وهو عَمُّ النَّبيِّ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي رَأيتُك تَصرِفُ، أي: تُبعِدُ وَجهَ ابنِ أخيك؟ أي: الفضلِ. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنِّي رَأيتُ غُلامًا شابًّا، وجاريةً شابَّةً، فخَشيتُ عليهما الشَّيطانَ، أي: أنَّه وجَدَه يَنظُرُ إلى الشَّابَّةِ، وهو شابٌّ وهيَ شابَّةٌ جَميلةٌ، فخَشيَ عليهما فِتنةَ الشَّيطانِ
وفي الحَديثِ مَشروعيَّةُ الإردافِ على الدَّابَّةِ إذا كانت تُطيقُ ذلك
وفيه مَشروعيَّةُ الوُقوفِ بعَرَفةَ راكِبًا
وفيه مَشروعيَّةُ الوُقوفِ في أيِّ مَكانٍ مِن عَرَفةَ، ولا يَتَعَيَّنُ مَكانٌ مُعَيَّنٌ
وفيه لُزومُ السَّكينةِ في الدَّفعِ مِن عَرَفاتٍ إلى مُزدَلفةَ
وفيه مَشروعيَّةُ جَمعِ صَلاةِ المَغرِبِ والعِشاءِ جَمعَ تَأخيرٍ في مُزدَلِفةَ
وفيه مَشروعيَّةُ السُّرعةِ في وادي مُحَسِّرٍ
وفيه أنَّ الذَّبحَ في مِنًى لا يَتَحَدَّدُ بمَوضِعٍ مُعَيَّنٍ
وفيه مَشروعيَّةُ الحَجِّ عنِ الشَّيخِ الكَبيرِ العاجِزِ
وفيه مَشروعيَّةُ حَجِّ المَرأةِ عنِ الرَّجُلِ
وفيه الحَثُّ على غَضِّ البَصَرِ عنِ الأجنَبيَّاتِ
وفيه إزالةُ المُنكَرِ باليَدِ
وفيه مَشروعيَّةُ تَقديمِ أعمالِ يَومِ النَّحرِ بَعضِها على بَعضٍ
وفيه مَشروعيَّةُ الشُّربِ والوُضوءِ مِن ماءِ زَمزَمَ
وفيه فَضلُ سَقيِ الحُجَّاجِ مِن ماءِ زَمزَمَ
وفيه فَضلُ خِدمةِ الحُجَّاجِ