‌‌مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه 128

مسند احمد

‌‌مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه 128

حدثنا إسماعيل، أخبرنا الجريري سعيد، عن أبي نضرة، عن أبي فراس، قال: خطب عمر بن الخطاب فقال: يا أيها الناس، ألا إنا إنما كنا نعرفكم إذ بين ظهرانينا النبي صلى الله عليه وسلم، وإذ ينزل الوحي، وإذ ينبئنا الله من أخباركم، ألا وإن النبي صلى الله عليه وسلم قد انطلق وقد انقطع الوحي، وإنما نعرفكم بما نقول لكم، من أظهر منكم خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم لنا شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم، ألا إنه قد أتى علي حين وأنا أحسب أن من قرأ القرآن يريد الله وما عنده، فقد خيل إلي بآخرة، ألا إن رجالا قد قرءوه يريدون به ما عند الناس، فأريدوا الله بقراءتكم، وأريدوه بأعمالكم، ألا إني والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفسي بيده إذن لأقصنه منه، فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أورأيت إن كان رجل من المسلمين على رعية، فأدب بعض رعيته، أئنك لمقتصه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده، إذا لأقصنه منه، أني لأ أقصنه منه، وقد رأيت [ص:385] رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقص من نفسه» ، ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم،

تولِّي أمرِ المُسلمينَ والقيامُ عليهم مَنزِلةٌ كَبيرةٌ يَتَرَتَّبُ عليها واجِباتٌ على الوالي تِجاهَ رَعيَّتِه؛ فالوالي مسؤولٌ عن رَعيَّتِه، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رَعيَّتِه، فعليه أن يَنصَحَ لهم ويُذَكِّرَهم ويَأمُرَهم بالخَيرِ ويَنهاهم عنِ الشَّرِّ، ويُعَلِّمَهم أمرَ دينِهم؛

ولهذا كان أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه يَقومُ بهذا الواجِبِ أتَمَّ القيامِ، ومِن ذلك أنَّه رَضِيَ اللهُ عنه خَطَبَ في النَّاسِ يومًا، فكان مِمَّا قال لَهم: يا أيُّها النَّاسُ، ألَا إنَّا إنَّما كُنَّا نَعرِفُكم إذ بَيْنَ ظهرانَيْنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإذ يَنزِلُ الوَحيُ، وإذ يُنَبِّئُنا اللهُ مِن أخبارِكم، أي: أنَّ النَّاسَ كانوا يَعرِفونَ بما يَقصِدونَ مِن أعمالِهم وبنِيَّاتِهم عِندَما كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم موجودًا وكان الوَحيُ يَنزِلُ فيُطلِعُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أخبارِ النَّاسِ وما يَقصِدونَ وما في بَواطِنِهم، ألَا وإنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قدِ انطَلَقَ، أي: ماتَ، وقدِ انقَطَعَ الوَحيُ. فاختَلَف وضعُ النَّاسِ بَعدَ مَوتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال لهم عُمَرُ: وإنَّما نَعرِفُكم. يَعني: بَعدَ مَوتِ النَّبيِّ وانقِطاعِ الوَحيِ، بما نَقولُ لَكم، وذلك بأنَّ مَن أظهَرَ مِنكم خيرًا ظَنَنَّا به خَيرًا، وأحبَبْناه عليه، ومَن أظهَرَ مِنكم لَنا شَرًّا ظَنَنَّا به شَرًّا وأبغَضْناه عليه، أي: العِبرةُ بالظَّاهرِ وما ظَهَرَ مِن أعمالِكم، وأمَّا سَرائِرُكم فبَينَكم وبَينَ رَبِّكم، أي: لَنا الظَّاهِرُ، واللَّهُ تعالى يَتَولَّى السَّرائِرَ. ثُمَّ قال: ألَا إنَّه قد أتى عليَّ حينٌ، أي: زَمانٌ، وأنا أحسَبُ، أي: أظُنُّ أنَّ مَن قَرَأ القُرآنَ يُريدُ اللَّهَ وما عِندَه. ويَقصِدُ به ما كان في عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقد خُيِّلَ إليَّ بأَخَرةٍ، أي: وقَعَ في خَيالي أخيرًا، ألا إنَّ رِجالًا قد قرؤوه يُريدونَ به ما عِندَ النَّاسِ، أي: يقرؤون القُرآنَ يُريدونَ به ما عِندَ النَّاسِ والدُّنيا، فأريدوا اللَّهَ بقِراءَتِكم، وأريدوه بأعمالِكم، أي: اجعَلوا أعمالَكم وقِراءَتَكم خالصةً للَّهِ تعالى. ثُمَّ قال لَهم: ألَّا إنِّي واللَّهِ ما أرسِلُ عُمَّالي -أي: الوُلاةَ والحُكَّامَ الذينَ يُرسِلُهم إلى البُلدانِ إليكم- ليَضرِبوا أبشارَكم، أي: جُلودَكم، ولا ليَأخُذوا أموالَكم، ولَكِنْ أرسِلُهم إليكم ليُعَلِّموكم دينَكم وسُنَّتَكم، أي: هذا هو واجِبُ الوُلاةِ؛ تَعليمُ النَّاسِ أمرَ دينِهم لا ضَربُهم وأخذُ أموالِهم، فمَن فُعِلَ به شَيءٌ سِوى ذلك، أي: ضُرِبَ أو أخِذَ مالُه مِنَ الرَّعيَّةِ، فليَرفَعْه إليَّ، أي: ليُبَلِّغْني بذلك، فوالذي نَفسي بيَدِه إذَنْ لأُقِصَّنَّه مِنه، أي: يَأخُذُ له القِصاصَ مِن ذلك الوالي الذي أساءَ إليه. فلَمَّا سَمِعَ عَمرُو بنُ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنه خُطبةَ عُمَرَ هذه، وثَبَ أي: قامَ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، أوَ رَأيتَ إن كان رَجُلٌ مِنَ المُسلمينَ على رَعيَّةٍ، فأدَّب بَعضَ رَعيَّتِه، أَإِنَّك لمُقتَصُّه مِنه؟! قال: إي والذي نَفسُ عُمَرَ بيَدِه، إذَن لأُقِصَّنَّه مِنه، أي: كَيف لا أُقِصُّه مِنه، ثُمَّ ذَكَرَ عُمَرُ مُستَنَدَه في ذلك، فقال: قد رَأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُقِصُّ مِن نَفسِه؟! ثُمَّ حَذَّرَهم عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه فقال: ألَا لا تَضرِبوا المُسلمينَ فتُذِلُّوهم. مِنَ الإذلالِ، ولا تُجَمّروهم فتَفتِنوهم. والتَّجميرُ: هو جَمعُ الجَيشِ في الثُّغورِ وحَبسُهم عنِ العَودةِ إلى أهلِهم، ففي ذلك فِتنةٌ لَهم، ولا تَمنَعوهم حُقوقَهم فتُكَفِّروهم، أي: لا تَمنَعوا عنهمُ الحَقَّ الواجِبَ لهم فتُكَفِّروهم: أي تَحمِلوهم على الكُفرانِ وعَدَمِ الرِّضا بكم، أو على الكُفرِ باللهِ لظَنِّهم أنَّه ما شَرَعَ الإنصافَ في الدِّينِ، ولا تُنزِلوهمُ الغِياضَ، جمعُ غَيضةٍ، وهيَ الشَّجَرُ المُلتَفُّ، والمَعنى: لا تُنزِلوهمُ الغِياضَ فتُضَيِّعوهم؛ فإنَّهم إذا نَزَلوها تَفرَّقوا فيها فتَمَكَّنَ مِنهمُ العَدُوُّ
وفي الحَديثِ أنَّه يُشرَعُ للخَليفةِ أوِ الإمامِ أن يُذَكِّرَ النَّاسَ ويُعَلِّمَهم أمرَ دينِهم
وفيه أنَّ العِبرةَ في أحوالِ النَّاسِ وأفعالِهم بالظَّاهرِ، وأنَّ السَّرائِرَ أمرُها إلى اللهِ تعالى
وفيه أنَّ مَن أظهَرَ الخَيرَ يُحَبُّ بذلك، ومَن أظهَرَ الشَّرَّ يُبغَضُ بذلك
وفيه أهَمِّيَّةُ إخلاصِ العَمَلِ للَّهِ تعالى
وفيه بَيانُ وظيفةِ الأُمَراءِ على النَّاسِ، وهيَ تَعليمُهم أمرَ دينِهم
وفيه تَوجيهُ الإمامِ أُمَراءَه بما يَجِبُ عليهم تِجاهَ الرَّعيَّةِ
وفيه مَشروعيَّةُ القِصاصِ مِنَ الأميرِ
وفيه عَدَمُ ضَربِ الرَّعيَّةِ
وفيه عَدَمُ حَبسِ الجَيشِ عن أهليهم حَتَّى لا يُفتَنوا
وفيه عَدَمُ مَنعِ الرَّعيَّةِ الحُقوقَ الواجِبةَ لَهم
وفيه الحِرصُ على الرَّعيَّةِ وعَدَمُ إيرادِهم للمَوارِدِ الخَطِرةِ المُهلِكةِ