"باب" حديث "ما منكم من نفس منفوسة إلا قد علم الله مكانها من الجنة والنار

ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن منصور ، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي رضي الله عنه، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فلما انتهينا إلى بقيع الغرقد، قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدنا حوله، فأخذ عودا فنكت به في الأرض، ثم رفع رأسه فقال: «ما منكم من نفس منفوسة إلا قد علم الله مكانها من الجنة والنار، شقية أم سعيدة» . فقال رجل من القوم: يا رسول الله أفلا ندع العمل، فنتكل على كتابنا، فمن كان من أهل السعادة صار إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة يعني صار إلى الشقاوة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل ميسر، من كان من أهل السعادة يسر لعملها، ومن كان من أهل الشقاوة يسر لعملها»
فسأل رجل -قيل: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقيل غيره-: «يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟» يعني: أفلا نعتمد على ما قدر علينا، ونترك العمل؛ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير -أي: سيجره القضاء- إلى عمل أهل السعادة، أي: قهرا ويكون مآل حاله ذلك بدون اختياره، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة -يعني: قهرا-؟ وحاصل السؤال: ألا نترك مشقة العمل، ما دام أننا سنصير إلى ما قدر علينا، وأن السعي لا يرد قضاء الله وقدره؟ وحاصل الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لا مشقة؛ لأن كل أحد ميسر لما خلق له، وهو يسير على من يسره الله عليه. فمنعهم عن الاتكال، وترك العمل، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية، مع عدم جعل العبادة وتركها سببا مستقلا لدخول الجنة والنار، بل هي علامات فقط. ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم -تصديقا لإجابته- قول الله تعالى: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى} [الليل: 5 - 10].
وفي الحديث: مشروعية الموعظة عند القبر.
وفيه: الجمع بين الإيمان بالقدر، والأخذ بالأسباب في العمل.