"باب ذكر احتجاج موسى وآدم عليهما السلام"

ثنا هدبة بن خالد، حدثنا وهيب بن خالد، ثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ص:64]: " لقي آدم موسى عليهما السلام، فقال: أنت آدم الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال له آدم: أنت الذي اصطفاك الله على الناس برسالاته وبكلامه؟ قال: نعم. قال: فلم تجد فيما أنزل الله تعالى عليك أنه سيخرجني منها قبل أن يدخلنيها؟ قال: نعم. فخصم آدم موسى ".
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بكثير من أمور الغيب مما علمه الله تعالى وأخبره به؛ لتثبيت العقيدة الصحيحة في النفوس
وفي هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه تحاج آدم وموسى عليهما السلام، فأتى كل منهما بحجة على ما يقول؛ وذلك عندما التقت أرواحهما في السماء، فوقع الحجاج بينهما، ويحتمل أن ذلك جرى في حياة موسى عليه السلام، حيث سأل الله تعالى أن يريه آدم عليه السلام، والأولى تفويض كيفية ذلك إلى الله سبحانه
فقال موسى عليه السلام: «أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك؟!» يشير إلى أكله من الشجرة التي نهي عنها، فأخرج من الجنة، فلامه موسى عليه السلام أنه كان السبب في الإخراج من الجنة التي أسكنه الله فيها، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجته وأخرجت أولاده من الجنة، لا على الذنب الذي هو الأكل من الشجرة.
فقال له آدم عليه السلام: «أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته»، أي: اختارك الله سبحانه وفضلك على الناس بأن أعطاك أسفار التوراة وفيها قصتي، وما حدث فيها، وكذا اختصك الله بتكليمه إياك، ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق، وحكم الله بأن ذلك كائن لا محالة؛ لعلمه السابق سبحانه، فهل يمكن أن يصدر مني خلاف علم الله؟! فكيف تغفل عن العلم السابق، وتذكر الكسب الذي هو السبب، وتنسى الأصل الذي هو القدر، وأنت من المصطفين الأخيار؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج -أي: غلب- آدم موسى بالحجة في دفع اللوم عن نفسه، قالها صلى الله عليه وسلم مرتين
ولم يكن آدم عليه السلام محتجا على فعل ما نهي عنه بالقدر، بل هو احتجاج بالقدر على المصيبة الناتجة من فعله، وهي الخروج من الجنة؛ فالقدر يحتج به على المصائب لا على المعائب، وليس لأحد أن يحتج بالقدر على فعل الذنوب والآثام؛ فإن هذا لو كان مقبولا لاحتج كل من أراد قتل النفوس وأخذ الأموال، وسائر أنواع الفساد في الأرض؛ بالقدر
وفي الحديث: المناظرة في أصول الديانة، وإقامة الدليل على الصحيح منها.
وفيه: إثبات صفة الكلام لله تعالى، وهي على ما يليق بكماله.