"باب ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "تركتكم على مثل البيضاء"

"باب ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "تركتكم على مثل البيضاء"

حدثنا هشام بن عمار، ثنا محمد بن عيسى بن سميع، حدثنا إبراهيم بن سليمان الأفطس، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فقال: «ايم الله لأتركنكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها سواء» . فقال أبو الدرداء: صدق الله ورسوله، فقد تركنا على مثل البيضاء.

كان النبي صلى الله عليه وسلم نعم المعلم والمربي لأصحابه، وقد بين لأمته طرق النجاة في الدنيا والآخرة وأسبابها، وحذرها من الفتن بأنواعها؛ حتى تكون على بينة من أمرها
وفي هذا الحديث يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نذكر الفقر ونتخوفه"، أي: نظهر الخوف من لحوقه بنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "آلفقر تخافون؟"، أي: هل تخافون الفقر؟ ثم قال: "والذي نفسي بيده"، أي: قاسما بالله عز وجل؛ وذلك لأن الله هو الذي يملك الأنفس، وكثيرا ما كان يقسم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القسم، "لتصبن عليكم الدنيا صبا"، أي: ليبسطن لكم في الرزق والمال، "حتى لا يزيغ"، من الإزاغة، أي: لا يميل عن الحق، "قلب أحد منكم إزاغة إلا هيه"، هيه عبارة عن "هي" ضمير يعود على الدنيا، والهاء في آخره للسكت، وهو فاعل الفعل يزيغ، أي: ما يكون زيغه إلا بسبب الدنيا
ثم أقسم النبي صلى الله عليه وسلم قائلا:"وايم الله، لقد تركتكم على مثل البيضاء؛ ليلها ونهارها سواء"، أي: لن أفارقكم إلا وقد بينت لكم كل أمور الدين، وأوضحت لكم الطريق المستقيم، أو قد اجتهدت في إصلاح حالكم حتى صرتم على هذه الحال التي أنتم عليها، "على مثل البيضاء"، أي: على قلوب هي مثل الأرض البيضاء ليلا ونهارا، وقيل: على قلوب بيضاء نقية عن الميل إلى الباطل، لا يميلها عن الإقبال عن الله تعالى السراء والضراء. فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "صدق- والله- رسول الله صلى الله عليه وسلم، تركنا- والله- على مثل البيضاء؛ ليلها ونهارها سواء"، أي: إنه رضي الله عنه يؤكد قول النبي صلى الله عليه وسلم بما أصبحوا عليه معه، وما وجدوه من بعده
وفي الحديث: بيان معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم ودليل من دلائل نبوته، حيث تحقق ما قاله بعد موته.
وفيه: التحذير من فتنة الدنيا.