"باب فيما أخبر به النبي عليه السلام أن أمته ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة

ثنا ابن مصفى، ثنا بقية، حدثنا صفوان بن عمرو، عن الأزهر بن عبد الله، عن أبي عامر الهوزني، قال: سمعت معاوية، يقول: يا معشر العرب، والله لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم، لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا يوما، فذكر «أن أهل الكتاب قبلكم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء» .
الاعتصام بكتاب الله تعالى وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم سبيل النجاة، والأمن من الفتن، وفي هذا الحديث يخبر معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: "ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا"، أي: خطبنا، فقال: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة"، أي: اليهود والنصارى، وقيل: إن المراد بهم النصارى، وقد ذكر في اليهود أنها ستفترق على إحدى وسبعين فرقة
"وإن هذه الملة"، أي: إن تلك الأمة وهي أمة الإسلام، "ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار"، أي: إن تلك الفرق التي ستنشأ وتتكون في تلك الأمة هم من يخالف أهل الحق في أصول التوحيد وفي تقدير الخير والشر، وجزاؤهم بذلك النار، "وواحدة في الجنة وهي الجماعة"، أي: إن الفرقة الناجية بين هؤلاء هم الجماعة من أهل العلم والفقه والمجاهدين في سبيل الله والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، الذين اجتمعوا على الاعتصام بكتاب الله عز وجل واتباع آثاره عليه الصلاة والسلام وسنته، وابتعدوا عن البدع والتحريف والتغيير
ثم قال صلى الله عليه وسلم: "وإنه سيخرج من أمتي أقوام"، أي: سيكون من بين تلك الفرق أقوام، "تجارى بهم تلك الأهواء"، أي: يكون اتباعهم للهوى والبدع، "كما يتجارى الكلب لصاحبه"، أي: كما يسري داء الكلب بالجسد الذي يصيبه، وداء الكلب: هو عضته التي تصل إلى جميع الجسد، "لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله"، أي: إن حرصهم في اتباع الهوى يكون مثل سرعة انتشار المرض بين العروق ومفاصل الجسم، وهي إشارة إلى تشبع نفسه بما اتبعت من الأهواء والبدع.
وفي هذا الحديث: معجزة من دلائل نبوته الشريفة صلى الله عليه وسلم.
وفيه: تحذير من اتباع الأهواء وترك الاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.