‌‌مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما504

‌‌مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما504

حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت الصقعب بن زهير، يحدث، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي، عليه جبة من طيالسة، مكفوفة بديباج، أو مزرورة بديباج، فقال: إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل راع ابن راع، ويضع كل فارس ابن فارس فقام (3) النبي صلى الله عليه وسلم مغضبا، فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه، وقال: " لا أرى عليك ثياب من لا يعقل "، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس، فقال: " إن نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة، دعا ابنيه، فقال: إني قاصر (1) عليكما الوصية، آمركما باثنتين، وأنهاكما عن اثنتين، أنهاكما عن الشرك والكبر، وآمركما بلا إله إلا الله، فإن السماوات والأرض وما فيهما لو وضعت في كفة الميزان، ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، كانت أرجح، ولو أن السماوات والأرض كانتا حلقة، فوضعت لا إله إلا الله عليهما، لفصمتها، أو لقصمتها، وآمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء،، وبها يرزق كل شيء " (2)

مِن أعظَمِ الأعمالِ التي يَأتي بها العَبدُ يَومَ القيامةِ الشَّهادَتانِ، بأن يَشهَدَ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، وقد جاءَتِ النُّصوصُ الكَثيرةُ ببَيانِ فَضلِهما وبَيانِ مَنزِلَتِهما في الدِّينِ، وأنَّهما سَبَبُ النَّجاةِ في الدُّنيا والآخِرةِ؛ ففي الدُّنيا يَنجو مَن قال أشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ مِنَ القَتلِ، فيَعصِمُ بهما دَمَه ومالَه، وفي الآخِرةِ يَكونُ جَزاؤُه الجَنَّةَ إمَّا ابتِداءً إذا خَلا مِنَ الذُّنوب والمَعاصي، وإمَّا انتِهاءً إذا دَخَلَ النَّارَ، فأهلُ التَّوحيدِ مَصيرُهم إلى الجَنَّةِ، ولا يُخلَّدُ أحَدٌ مِن أهلِ التَّوحيدِ في النَّارِ، ومِمَّا جاءَ في فَضلِ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أنَّها تَرجَحُ على السَّمواتِ السَّبعِ والأرَضينَ السَّبع؛ ففي الحَديثِ يَقولُ عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما: كُنَّا عِندَ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، أي: كانوا جُلوسًا عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُحَدِّثُهم، فجاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلٌ مِن أهلِ الباديةِ، أي: الذينَ يَسكُنونَ في الباديةِ، وهيَ المَكانُ الواسِعُ فيه المَرعى والماءُ خارِجَ المَدينةِ، والسَّاكِنُ فيها يُقالُ له بدَويٌّ، عليه جُبَّةٌ، وهيَ ثَوبٌ سابغٌ واسِعُ الكُمَّينِ مَشقوقُ المُقدَّمِ، يُلبَسُ فوقَ الثِّيابِ، سيجان، جَمعُ ساجٍ، وهو الطَّيلسانُ الأخضَرُ، مَزرورةٌ بالدِّيباجِ، وهو نَوعٌ مِن ثيابِ الحَريرِ، فقال البَدَويُّ: ألا إنَّ صاحِبَكُم هذا -يَقصِدُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم- قد وضَعَ كُلَّ فارِسٍ ابنِ فارِسٍ، قال: يُريدُ أن يَضَعَ كُلَّ فارِسٍ ابنِ فارِسٍ، أي: إمَّا لأنَّه راعٍ فإذا لَبسَ ما كان لباسًا لفارِسٍ لَزِمَ حَطُّهم؛ حَيثُ صارَ لباسُهم لِباسَ الرُّعاةِ، أو لأنَّ هذا اللِّباسَ فوقَ لباسِهم عادةً؛ ففي اتِّخاذِه حَطٌّ لَهم، ويُرفَعُ كُلُّ راعٍ ابنُ راعٍ، أي: إمَّا لأنَّه مِن هذا الجِنسِ، فبارتِفاعِه ارتَفعَ جِنسُه، أو لأنَّه حينَ لَبِسَ يَرغَبُ في لُبسِه مَن كان مِن جِنسِه، فإذا لَبسوا ارتَفعوا. فأخَذَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمَجامِعِ جُبَّتِه، أي: أخَذَ بأطرافِ جُبَّةِ الرَّجُلِ، وقال له: ألَا أرى عليك لباسَ مَن لا يَعقِلُ؟! أي: أنِّي أراك تَلبَسُ لُبسَ مَن لا يَفهَمُ ولا يَعرِفُ حَقيقةَ الأمرِ، ثُمَّ قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ نَبيَّ اللهِ نوحًا عليه السَّلامُ لمَّا حَضَرَته الوفاةُ، أي: قَرُبَ أجَلُه، قال لابنِه: إنِّي قاصٌّ عليك الوصيَّةَ، أي: سَأُخبرُك وأوصيك، آمُرُك باثنَتَينِ، وأنهاك عنِ اثنَتَينِ، أي: عليك بأمرَينِ واجتَنِبْ أمرَينِ؟ آمُرُك بلا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ فإنَّ السَّمَواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ لَو وُضِعَت في كِفَّةٍ، أي: جانِبٍ وفَردةٍ مِن زَوجَي الميزانِ، ووُضِعَت لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ في كِفَّةٍ، أي: في الجانِبِ والفَردةِ الأُخرى مِنَ الميزانِ، رَجَحَت، أي: غَلَبَت بهنَّ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ وذلك لعَظيمِ كَلمةِ التَّوحيدِ، فلا يَثقُلُ ولا يَرجَحُ على اسمِ اللهِ شَيءٌ. ولَو أنَّ السَّمَواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ كُنَّ حَلقةً مُبهَمةً، أي: دِرعًا غَيرَ مَعلومةِ المَدخَلِ أوِ الطَّرَفِ، قَصَمَتهنَّ، أي: قَطَعَتهنَّ وكَسَرَتهنَّ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وسُبحانَ اللَّهِ وبحَمدِه؛ فإنَّها، أي: سُبحانَ اللَّهِ وبحَمدِه، صَلاةُ كُلِّ شَيءٍ، وبها يُرزَقُ الخَلقُ. فكُلُّ الخَلقِ يُسَبِّحونَ بحَمدِ رَبِّهم، وبذِكرِه يُرزَقونَ، وأنهاك عنِ الشِّركِ والكِبرِ، فقيلَ: يا رَسولَ اللهِ، هذا الشِّركُ قد عَرَفْنا، أي: عَرَفْنا مَعناه، وهو اتِّخاذُ نِدٍّ للَّهِ تعالى، وصَرْفُ أيّ نَوعٍ مِن أنواعِ العِبادةِ لغَيرِ اللهِ تعالى. فما الكِبرُ؟ أي: ما مَعنى الكِبرِ وما المَقصودُ به؟ هَل هو أن يَكونَ لأحَدِنا نَعلانِ حَسَنَتانِ، أي: هَل الكِبرُ هو أن يَكونَ لأحَدِنا نَعلانِ جَميلَتانِ، لَهما شِراكانِ. والشِّراكُ هو أحَدُ سُيورِ النَّعلِ التي تَكونُ على وَجهِها، حَسَنانِ؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَهم: لا، أي: ليس هو ذلك. فقيلَ له: فهَل هو أن يَكونَ لأحَدِنا حُلَّةٌ يَلبَسُها؟ والحُلَّةُ: الثَّوبُ الذي يَشتَمِلُ على رِداءٍ وإزارٍ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَهم: لا. فقيلَ: فهَل الكِبرُ: هو أن يَكونَ لأحَدِنا دابَّةٌ يَركَبُها؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَهم: لا. فقيلَ: فهَل هو أن يَكونَ لأحَدِنا أصحابٌ يَجلِسونَ إليه؟ أي: يَجلِسونَ مَعَه ويَتَحَدَّثونَ. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَهم: لا، أي: ليس هو كذلك. فقيلَ: يا رَسولَ اللهِ، فما الكِبرُ؟ أي: بَيِّنْ لَنا إذَنْ ما الكِبرُ. فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: سَفَهُ الحَقِّ، وغَمصُ النَّاسِ، أي: أنَّ حَقيقةَ الكِبرِ هو سَفَهُ الحَقِّ، أي: الاستِخفافُ بالحَقِّ وألَّا يَراه حَقًّا، بَل يَراه باطِلًا فلا يَقبَلُه، ويَتَرَفَّعُ عنه، وغَمصُ النَّاسِ، أي: احتِقارُهم وألَّا يَراهم شَيئًا.
وفي الحَديثِ بَيانُ جَفاءِ الأعرابِ وقِلَّةِ أدَبِهم وجَهلِهم.
وفيه الشِّدَّةُ والغِلظةُ على أهلِ الجَفوةِ.
وفيه وصيَّةُ الأنبياءِ بالتَّوحيدِ.
وفيه فضلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
وفيه إثباتُ كَونِ الأرَضينَ سَبعًا.
وفيه فضلُ سُبحانَ اللَّهِ وبحَمدِه.
وفي النَّهيُ عنِ الشِّركِ.
وفيه النَّهيُ عنِ الكِبرِ.
وفيه بَيانُ مَعنى الكِبرِ.
وفيه أنَّ لُبسَ الثَّوبِ المُرتَفِعِ وإن لَم يَكُنْ كِبرًا قد يُؤَدِّي إلى التَّكَبُّرِ.