باب تحريم النياحة على الميت و لطم الخد و شق الجيب و نتف الشعر و حلقه و الدعاء بالويل و الثبور 8
بطاقات دعوية

وعن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال (1) من قطران، ودرع (2) من جرب». رواه مسلم. (3)
كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على إخراج أمته من الجاهلية بكل ما فيها من شرور وآثام شرك، إلى الإسلام وشرائعه وما فيه من خير وتوحيد
وفي هذا الحديث يرصد النبي صلى الله عليه وسلم أمورا كانت ولا تزال عالقة ببعض الناس يأتون بها، وهي من أمور أهل الجاهلية، فحذرنا منها، وأن من أتى بواحدة منها فقد أتى بإحدى الصفات الجاهلية، ولا بد له من تركها إلى ما شرعه الإسلام فيها وفي أمثالها؛ فيخبر صلى الله عليه وسلم بوجود أربع خصال في أمة الإسلام، هي من أمور أهل الجاهلية وخصالهم المعتادة، وأخبر أن هذه الخصال تدوم في الأمة لا تتركها كما تركت غيرها من سنن الجاهلية؛ فإن تركها طائفة، جاء وتمسك بها آخرون
وأول هذه الأمور: «الفخر في الأحساب»، وهو افتخار المرء ومباهاته وتمدحه بالخصال والمناقب والمكارم؛ إما فيه أو في أهله، والحسب ما يعده الرجل من الخصال التي تكون فيه، كالشجاعة والفصاحة وغير ذلك، ومعنى الفخر في الأحساب هو التكبر والتعظم بعد مناقبه ومآثر آبائه، وهذا يستلزم تفضيل الرجل نفسه على غيره ليحقره، وعند أبي داود: قال صلى الله عليه وسلم: «قد أذهب الله عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب»
وثاني الأمور المستقبحة: «الطعن في الأنساب»، ويقصد به إدخال العيب في أنساب الناس، كالتعيير بالنسب، أو أن ينفي نسبه عن أبيه، وهي دعوى منتنة؛ لما فيها من شق الصف المسلم، ولما تثيره من فتن وشرور، ورمي لأعراض الناس
والأمر الثالث: «الاستسقاء بالنجوم»، ويقصد به الدعاء وطلب السقيا بنزول المطر، باعتقاد أن النجوم سبب في ذلك، كما كانوا يقولون في الجاهلية: مطرنا بنوء كذا، واعتقاد أنها المؤثرة في نزول المطر حقيقة كفر. والمطر من رحمة الله بعباده، وينزل بقدره، وهو من الأمور التي قال الله فيها: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} [لقمان: 34]
والأمر الرابع: «النياحة»، وهي البكاء على الميت بصياح وعويل وجزع، وعد شمائل الميت ومحاسنه، مثل: وا شجاعاه! وا أسداه! وا جبلاه!
ثم حذر النبي صلى الله عليه وسلم النساء النائحات إذا لم يتبن عن النياحة قبل موتهن، فقال: «والنائحة إذا لم تتب قبل» حضور «موتها، تقام يوم القيامة»، فتوقف وتحشر النائحة التي لم تتب بين أهل الموقف للفضيحة يوم القيامة، جزاء على قيامها في المناحة، وعليها قميص من القطران، وهو النحاس المذاب، أو هو طلاء يطلى به، وقيل: دهن يدهن به الجمل الأجرب، فيحرق الجرب، وقد تبلغ حرارته الجوف، «ودرع من جرب»، والدرع نوع من قمصان النساء، فيكون عليها قميص آخر من جرب، والمعنى: أن كل جلدها يكون جربا بمنزلة الدرع، بحيث يغطي جلدها تغطية الدرع ويلتزق بها، وإنما قيد التوبة بأن تكون قبل الموت؛ ليعلم أن من شرط التوبة أن يتوب التائب وهو يؤمل البقاء، ويمكن أن يتأتى منه العمل الذي يتوب منه، ومصداق ذلك في كتاب الله: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن} [النساء: 18].
وهذا العذاب يكون على النياحة والتعديد؛ لما فيهما من إظهار الاعتراض على قدر الله، أما بكاء الحزن والرحمة على الميت، فلا شيء فيه؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» متفق عليه.
وفي الحديث: علامة من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم.
وفيه: التحذير من الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب.
وفيه: الدعوة إلى حفظ أعراض الناس وعدم الخوض فيها.
وفيه: أن قدر الإنسان تكون بقدر شخصه وأفعاله، وليس بما فعله آباؤه.
وفيه: التحذير من النياحة على الأموات.
وفيه: أن المطر من عند الله سبحانه ولا دخل للنجوم فيه، فلا تطلب السقيا إلا من الخالق القادر على إنزال المطر.