باب حسن الخلق 11
بطاقات دعوية

وعن جابر - رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة، الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون» قالوا: يا رسول الله، قد علمنا «الثرثارون والمتشدقون»، فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون». رواه الترمذي، (1) وقال: «حديث حسن».
«الثرثار»: هو كثير الكلام تكلفا. و «المتشدق»: المتطاول على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه تفاصحا وتعظيما لكلامه، و «المتفيهق»: أصله من الفهق وهو الامتلاء، وهو الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه، ويغرب به تكبرا وارتفاعا، وإظهارا للفضيلة على غيره.
وروى الترمذي (2) عن عبد الله بن المبارك رحمه الله في تفسير حسن الخلق، قال: «هو طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى»
كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، وقد أمر بحسن الخلق، وبين أن صاحب الخلق الحسن له فضل كبير، وأجر عظيم، وفي هذا الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ولأمته: "إن من أحبكم"، أي: من أكثر الناس حبا أو أحب المحبوبين، "إلي" في الدنيا، "وأقربكم مني مجلسا"، أي: منزلة، يوم القيامة أحاسنكم" جمع أحسن، أي: أفضلكم وأجملكم "أخلاقا"، أي: أصحاب الخلق الحسن الجامعين للأخلاق الجميلة الحسنة بأنواعها، "وإن من أبغضكم إلي"، أي: أكثر من أكرههم من الناس في الدنيا، "وأبعدكم مني" مجلسا ومنزلة، "يوم القيامة الثرثارون"، الذين يكثرون الكلام ويتكلفون فيه بغير حق بالسجع والحشو وغيره، ويرددونه كثيرا، "والمتشدقون" الذين يتوسعون في الكلام، ويلوون ألسنتهم به، ويفتخرون به بغير حق، وقيل: معناه: الذين يستهزئون بالناس بلي أشداقهم، والشدق هو جانب الفم، "والمتفيهقون"، من الفهق وهو الامتلاء والاتساع، أي: الذين يتوسعون في الكلام ويفتحون به أفواههم وهذا لكبرهم ورعونتهم، "قالوا"، أي: الحاضرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، قد علمنا" وفهمنا معنى الثرثارين وأنهم هم الذين يكثرون الكلام ويتكلفون فيه، ومعنى المتشدقين وأنهم هم الذين يتكلمون بملء أشداقهم تفاصحا واستعظاما لكلامه، "فما" معنى "المتفيهقون؟ قال" رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المتكبرون" الذين يتكبرون على الناس بكلامهم وبالاستعلاء عليهم بفصاحتهم في أقوالهم وبيان عظمتهم في أفعالهم.
وفي الحديث: بيان فضل الخلق الحسن.
وفيه: التحذير من التكلف في الكلام أو ترديده والتفاخر به؛ ليميل بقلوب الناس وأسماعهم إليه.
وفيه: أن الشخص الواحد قد يجتمع فيه المحبة والبغض؛ فيكون محبوبا من وجه، مبغوضا من وجه آخر.