مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم 13
مسند احمد

حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} [الإسراء: 110] قال: " وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى بأصحابه، رفع صوته بالقرآن "، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله، ومن جاء به، قال: فقال الله عز وجل لنبيه: {ولا تجهر بصلاتك} [الإسراء: 110]- أي بقراءتك - فيسمع المشركون، فيسبوا القرآن، {ولا تخافت بها} [الإسراء: 110] عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، {وابتغ بين ذلك سبيلا} [الإسراء: 110]
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا صلَّى بِأصحابِه رفَعَ صَوتَه بِالقُرآنِ، فإذا سَمِعَه المشرِكونَ سَبُّوا القرآنَ ومَن أنزَلَه، فأنزَلَ اللهُ تعالَى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: 110]، وهذا معنَى قولِ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها في هذا الحديثِ: «أُنزِلَ ذلكَ في الدُّعاءِ»، ومَقصودُها بِالدُّعاءِ: الصَّلاةُ؛ لأنَّ الصَّلاةَ في اللُّغةِ هي الدُّعاءُ، أو لأنَّ الدُّعاءَ جزءٌ مِنَ الصَّلاةِ. ومعنى الآيةِ: ولا ترفَعْ صَوتَك بقِراءَةِ صلاتِك أكثَرَ مما يحتاجُ إليه السَّامعُ؛ فيَسْمَعَ المشرِكون فيَسُبُّوا القرآنَ، ولا تَخْفِضْ صوتَك وتُسِرَّ بها عن أصحابِك؛ فلا تُسمِعَهم، واقصِدْ طريقًا وسَطًا بين الجَهرِ والمخَافتَةِ. وبذلك نجِدُ أنَّ اللهُ تعالَى قد أمر بما يَحصِّلُ به المنفعتين جميعَهما؛ عدمُ الإخلالِ بسَماعِ الحاضِرين، والاحترازُ عن سَبِّ أعداءِ الدِّين.
وفي الحَديثِ: فضلُ أمِّ المؤمنينَ عائِشةَ رضِيَ اللهُ عنها، وعِلمُها بتفسيرِ القرآنِ وأسبابِ نُزولِه.