باب تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام

بطاقات دعوية

باب تحريم إحداد  المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام

عن زينب بنت أبي سلمة رضي الله عنهما، قالت: دخلت على أم حبيبة رضي الله عنها، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب - رضي الله عنه - فدعت بطيب فيه صفرة [ص:492] خلوق أو غيره، فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا».
قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش رضي الله عنها حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: أما والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا». متفق عليه (2).
__________
(1) قال ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين 4/ 341: «الإحداد أن تجتنب المرأة الأشياء التالية:
1 - لباس الزينة، لا تلبس ثوبا يعد ثوب زينة، أما الثياب العادية فلها أن تلبسها بأي لون كان أصفر، أحمر، أخضر
2 - الطيب بجميع أنواعه
3 - الحلي بجميع أنواعه
4 - ألا تخرج من البيت أبدا إلا لضرورة أو حاجة
5 - التجميل والتكحل بالكحل وما أشبه ذلك
وما اشتهر عند العوام أن المرأة تغتسل من الجمعة إلى الجمعة، فهذا لا أصل له. وكذلك ما اشتهر عند العوام أنها لا تكلم أحدا إلا من محارمها، فهذا غلط أيضا، تكلم من شاءت».

لقد ضبطت الشريعة الإسلامية الغراء كل أمور الحياة؛ ففي كل شأن ومرحلة في الحياة أحكام؛ فجعل للحي أحكام، وللميت أحكام، ولأهله أحكام عليهم أن يقوموا بها
وفي هذا الحديث تخبر زينب بنت أبي سلمة رضي الله عنهما أنها دخلت على أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما لما بلغها موت أبيها أبي سفيان، وقد توفي سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة اثنتين، وقيل غير ذلك، وله نحو تسعين سنة، فقالت أم حبيبة رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر»، وهذا نفي بمعنى النهي على سبيل التأكيد، وخص ذلك بالمؤمنة؛ لأن المؤمن هو الذي ينتفع به وينقاد له؛ فمن آمن بالله تعالى وبعقابه يوم الميعاد لا يجترئ على نواهيه، «تحد على ميت» أيا كان والدا أو أخا أو ابنا أو أي قريب «فوق ثلاث» من الليالي «إلا على زوج»، أي: لكن الزوج تحد عليه زوجته -سواء المدخول بها وغيرها- «أربعة أشهر وعشرا»، أي: وعشرة أيام بلياليها. والإحداد: ترك الزينة والطيب ونحوهما، أو المرغبات في الخطبة، وذلك إذا مات للمرأة ميت، وعلق النهي بالإيمان بالله عز وجل؛ لأنه هو الأساس، وذكر الإيمان باليوم الآخر؛ لأنه يوم الجزاء والحساب
ومن حكمة الإحداد في عدة الوفاة دون عدة الطلاق: أن الزينة والطيب يدعوان إلى النكاح؛ فنهيت عنه ليكون الامتناع من ذلك زاجرا عن النكاح لكون الزوج ميتا لا يمنع معتدته من النكاح ولا يراعيه من يريد أن ينكحها، بخلاف المطلق الحي فإنه يستغنى بوجوده عن زاجر آخر. ومن حكمة جعل مدة الحداد على الزوج أربعة أشهر وعشرا: لما يغلب عليها من الحزن؛ ولأن الأربعة فيها ينفخ الروح في الولد إن وجد، والعشر احتياطا
ثم أخبرت زينب بنت أبي سلمة رضي الله عنهما أنها دخلت على أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها حين توفي أخوها -قيل: هو عبد الله بن جحش. وقيل: إنما هو عبيد الله الذي قد هاجر الحبشة وتنصر هناك ثم مات. وقيل غير ذلك-، فدعت زينب بنت جحش رضي الله عنها «بطيب فمست» به شيئا من جسدها، «ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة»، أي: إنها لم ترد وضعه؛ وإنما فعلت ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة أن تحد على غير زوجها فوق ثلاثة أيام؛ فلذلك أرادت أن تنهي حدادها على أخيها بوضع الطيب امتثالا لقول النبي صلى الله عليه وسلم، فصرحت بأنها لم تتطيب لحاجة؛ إشارة إلى أن آثار الحزن باقية عندها، لكنها لم يسعها إلا امتثال الأمر واجتناب النهي
وفي الحديث: فضل زينب بنت جحش رضي الله عنها، ومسارعتها إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي حتى في أصعب الأحوال.