باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته 2

بطاقات دعوية

باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته 2

 عن جابر - رضي الله عنه - أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة قال حصن كان لدوس في الجاهلية فأبى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم للذي ذخر الله للأنصار فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا (1) المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص (2) له فقطع بها براجمه (3) فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطيا يديه فقال له ما صنع بك ربك فقال غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال ما لي أراك مغطيا يديك قال قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم وليديه فاغفر.

كانت دَعوةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى الإسلامِ في مُحيطٍ كلُّه كُفرٌ وشِركٌ، وكانَ الدُّخولُ في دينِ الإسلامِ أمرًا شَديدًا، ثُمَّ كانتِ الهجرةُ إلى المدينةِ اختبارًا صَعبًا يُضافُ إلى شِدَّةِ الدُّخولِ في الإسلامِ؛ ففيها تَركُ الأوطانِ والأموالِ، ومُفارَقةُ الأهلِ؛ ولذلك كانَ جَزاءُ الهجرةِ عَظيمًا.

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ الطُّفيلَ بنَ عَمرٍو رَضي اللهُ عنه -وكانَ من وُجَهاءِ قومِه فأسلَمَ- جاءَ من وطنِه باليَمنِ إلى مكَّةَ، وعرَضَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قبْلَ هِجرتِه إلى المدينةِ أن يُهاجِرَ إلى قَبيلةِ دَوسٍ التي باليَمنِ، فقالَ: «يا رسولَ اللهِ، هلْ لك في حِصنٍ حَصينٍ ومَنْعةٍ؟» أي: هل تَرغَبُ في الهِجرة إلى حِصنٍ قَويٍّ، وفيه مَوانِعُ وحِمايةٌ منَ الأعداءِ؟ وهو حِصنٌ كانَ لقَبيلةِ دَوسٍ في الجاهليَّةِ، فرَفَضَ ذلك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وجَعَله ذُخرًا للأنصارِ، أي: أرادَ اللهُ تَعالَى أن يُكرِمَ الأنصارَ بهِجرتِه إليهم، وكَتَبَ لهُم ذلك، فلم يَشرَحْ صَدرَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للهِجرةِ إلى غيرِهم، ولم يأذَن له بذلك.

ثُمَّ لمَّا هاجَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى المدينةِ هاجَرَ إليه الطُّفيلُ بنُ عَمرٍو رَضيَ اللهُ عنه في عُمرةِ القضيَّةِ في السَّنةِ السَّابِعةِ منَ الهِجرةِ، وقيلَ: قَدِمَ مع أبي هُرَيرةَ في خَيبرَ، وهاجَرَ معه رَجلٌ من قَومِه، واستقرَّ بهِمُ المُقامُ في المدينةِ، ولم يُناسِب جَوُّها أبدانَهم، فكَرِهوا الإقامةَ في المدينةِ، فمَرِضَ الرَّجلُ الذي كانَ مع الطُّفيلِ، فأصابَه الخوفُ والاضطرابُ، فلم يُطِق صبرًا على مرضِه، فأخَذَ هذا الرَّجلُ حَديدةَ السَّهمِ الطَّويلةَ -وهي عَريضةٌ حادَّةٌ كالسِّكِّينِ- فقطَعَ عُقَدَ أصابِعِه قاصِدًا قتْلَ نفسِه؛ لعدمِ صبرِه على آلامِ مرضِه، فسالَت يداه دمًا حتى ماتَ.

فرآه الطُّفيلُ بنُ عَمرٍو في مَنامِه وهَيئتُه حسنةٌ، ورآه مُغطِّيًا يَدَيه، فتَعجَّبَ من حُسنِ هيئتِه، فقالَ له: ما صنَعَ بك ربُّك؟ فقالَ: غَفَرَ لي بهِجرتي إلى نَبيِّه، وهذا يَدلُّ على حُسنِ الجزاءِ منَ اللهِ على الهجرةِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأنَّ اللهَ أكرَمَ هذا الرَّجلَ وغَفَرَ له ذنبَه، فسألَه الطُّفيلُ عن تَغطيةِ يدِه، فقالَ: «قيلَ لي: لن نُصلِحَ منك ما أَفسَدتَ»؛ أي: لن نُصلِحَ يَدَيك اللَّتينِ قطَعتَهما عندَ فَزَعِك وعدَمِ صَبرِك، فقَصَّ الطُّفيلُ رَضيَ اللهُ عنه الرُّؤيا على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فعَلِمَ منه أنَّها حقٌّ، فدَعا له وقالَ: «اللهمَّ وَلِيَدَيه فاغْفِرْ» ما فَعَلَتاهُ، فدَعَا ربَّه أن تَشملَ المَغفرةُ والرَّحمةُ اليَدَينِ، كما شَمِلت باقيَ الجَسدِ، قيلَ: الظَّاهرُ أنَّ هذا الرَّجلَ أدركَته بَركةُ دَعوةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فغُفِرَ له، وليَدَيه، وكَمَلَ له ما بَقيَ منَ المَغفرةِ عليه.

وفي الحديثِ: بَيانُ عَظيمِ أجرِ الهِجرةِ إلى اللهِ تَعالَى ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وفيه: بَيانُ أنَّ اللهَ يَغفِرُ لِمَن يَشاءُ مِنَ المؤمِنين.

وفيه: بيانُ كمالِ شَفَقةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ للمُؤمِنينَ؛ فقد دعا اللهَ أن يُتِمَّ نِعمتَه على عَبدِه بأن يَغفرَ له ما اقتَرَفَت يداهُ.

وفيه: مَنقَبةٌ عَظيمةٌ، وفضلٌ كَبيرٌ للطُّفيلِ بنِ عمرٍو في حِرصِه على سَلامةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ورَغبتِه في حِمايتِه والتَّشرُّفِ به في ديارِه.

وفيه: فضلٌ ومَنقَبةٌ للأنصارِ رَضيَ اللهُ عنهم.

وفيه: أنَّ قاتِلَ نفسِه لا يَكفُرُ إلَّا إذا كانَ مُستحِلًّا ذلك.

وفيه: إثباتُ عُقوبةِ بعضِ أصحابِ المَعاصي.